الرئيسية / أعمدة ومقالات / لماذا نتضامن مع الزميل سليمان؟؟؟

لماذا نتضامن مع الزميل سليمان؟؟؟

بقلم: أنس مزور

هل يمتلك بعضنا “الجرأة” والشجاعة ليتضامن مع زميل له رهن الاعتقال؟ أم هو تضامن تلقائي لا يثير أي حسابات تجعل من يعبر عنه قد امتلك هذه “الجرأة”؟
هل التضامن مع زميل تعرض للضرب من تحت الحزام واجب أم هو أمر اختياري؟
هل يعني التضامن أننا نتفق مع الزميل الذي تعرض لانتهاكات في جميع مع يقوم به ويعبر عنه؟ وهل يجب علينا أن نتضامن فقط مع من نتفق معهم في جميع الاختيارات والمواقف؟
أسئلة وغيرها..وجدت عددا من الأصدقاء والزملاء يطرحونها..وتحتاج منا كمهنيين وكمهتمين بتدبير الشأن العام أن نفكر فيها بصوت مرتفع ومسموع.
وإذا كنا سنتحدث عن الموضوع بشكل عام، فلا بد أن نوضح أن النازلة التي ترتبط بشكل مباشر بهذا النقاش هي اعتقال الزميل والصديق سليمان الريسوني.
نبدأ بتحديد المسافة التي يقف فيها كل واحد من القضية، التي هي قضية “صراع” بين الزميل سليمان وبين نافذين في مربع اتخاذ القرار بالسلطة..وعلى ضوئها يمكن أن نفهم هل يكون التعبير عن موقف التضامن “جرأة” وشجاعة..أم هو فعل “طبيعي” يندرج ضمن الواجب الذي لا يحتاج إلى “جرأة..أم هو موقف يستوجب “العقاب”، ويعتبر تحيزا للزميل ومن يوافقه ضد هؤلاء النافذين الذين اتخذوا قرارا باعتقاله..وقبل ذلك بتشويه سمعته؟؟
الإكراه الأول الذي يواجهنا حين نرغب في تحديد هذه المسافة، هو المنطق الذي يسود عند معظم المنتمين إلى طرفي الصراع..وهو منطق إما معي أو ضدي. جهة ستعتبرك إذا تضامنت مع الزميل سليمان أنك مع و/أو تشجع المعارضين الذين يستهدفون النظام ويستغلون مهنة الصحافة لتصريف مواقفهم، وجهة ستعتبرك إذا لم تعلن تضامنك أنك مخزني وتقف بجانب من يحاربون حرية التعبير..أو على الأقل تتواطأ مع هذه الجهات الأمنية لتصفية كل صوت حر ومعارض.
بينما الوضع أكثر تعقيدا من تصنيف أصحاب هذا المنطق الذي يحاول اختزال تدبير الشأن العام في صراع بين جهتين فقط، واعتماد معايير هذين الجهتين.
المسافة التي يقفها كل واحد منا تحددها اعتبارات عديدة، موقعنا المهني..وظيفتنا أو منصبا..انتماؤنا الحزبي أو المؤسساتي..موقفنا مما نشره سليمان بالمؤسسة التي يعمل بها أو بحساباته الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي، ومن مواقفه السياسية أو اختياراته في ممارسة مهنة الصحافة..طبيعة علاقتنا الشخصية به.. وبالمقابل، موقفنا من النافذين الذين اتخذوا قرار اعتقاله بالشكل الذي تم به..موقفنا من أسلوب تدبير الشأن العام ببلادنا ككل، ومن تدبيرهم لشؤون الإعلام والتواصل بشكل خاص، سواء على مستوى الإعلام الرسمي(العمومي) أو على مستوى الإعلام غير الرسمي والشبه رسمي.
إذا كانت هذه المسافة تجعلك قريبا من كفة سليمان ومن يتقاسمون معه الاختيارات السياسية وطريقة ممارسة المهنة..فسيكون إعلانك عن التضامن معه من باب السماء فوقنا..ونفس البديهية ستتحكم في موقفك غير المتضامن و/أو المدين لسليمان كلما كنت قريبا من النافذين الذين اتخذوا قرارا باعتقاله..وحين أتحدث عن “القرب” فهو يحتمل القرب المهني أو المصلحي أو السياسي..
وحين تتحدد هذه المسافة، فقبل أن نتخذ موقفا من النازلة، سنجد أن فهمنا ومعرفتنا بتفاصيل ما حدث وسياقاته، يلعب دورا حاسما كذلك في قرارنا.
وهنا نحتاج إلى كثير من الحياد والموضوعية لرسم الصورة بوضوح أكبر، فكثيرا ما تتحكم مزاجية وردود فعل مسؤولين أو فاعلين في اتخاذ قرار، كان من الممكن عدم اتخاذه لولا حدوث ردود فعل عند الطرف الآخر.
وهنا أرجح أن تكون تدوينة نشرها الزميل سليمان بحسابه على فيسبوك قبل أن يحذفها، هي التي عجلت أو حسمت في اتخاذ قرار اعتقاله ومتابعته.
وهي تدوينة حدد فيها زميلنا نقل معركته/ صراعه من مستوى التراشق مع ناشر موقع برلمان ومسؤولين أمنيين إلى مستوى أكبر منهم في تراتبية المسؤولية بأجهزة السلطة، واستخدم مصطلحات غير أخلاقية واعتبرها في نفس التدوينة أنها دون المستوى، حين قال “بغيتو غير طيح النيفو ساهل”.
وقبل هذه التدوينة نشر اتهامات وأوصافا تمس الجانب الأخلاقي الشخصي لمدير موقع برلمان، إلى جانب ما يتربط بممارسات مهنية اعتبرها تدخل في تنفيذ أجندات سياسية وأمنية “مرفوضة”.
هذه الأخطاء التي وقع فيها سليمان، لا تعني أن الطرف الآخر من الصراع لم يكن سباقا إلى ارتكاب أخطاء مماثلة أو أفظع منها، وفي نفس الوقت لا تمثل في رأيي مبررا لاعتقاله ومتابعته بالشكل الذي تم به.
وهنا أشير إلى أن العديد من الزملاء تراجعوا عن التضامن مع زميلنا بسبب هذه التدوينة، رغم أنهم كانوا مدركين بأن متابعته ترتبط أساسا بما ينشره بجريدة أخبار اليوم ومواقفه السياسية التي يعبر عنها في مختلف المنصات.
لا أحد يستطيع أن ينكر أن سليمان صحافي وناشط مزعج للسلطة، ولا أحد يستطيع أن ينكر أنه من أكثر الزملاء جرأة في رفع سقف انتقاد السلطة في الفترة الأخيرة…وسيكون مضحكا أن يحاول أحد إقناعنا بأن ما يتعرض له سليمان لا علاقة له بما ينشر سواء بأخبار اليوم أو غيرها.
لا يمكن أن نغطي الشمس بالغربال، ونتحدث عن حقيقة قرار اعتقال زميلنا ومتابعته خارج تفاصيل السياق الذي اتخذ فيه القرار.
حقيقة ما حدث لا ترتبط فقط بما كان ينشره سليمان من افتتاحيات وآراء وتحليلات جريئة ومزعجة للسلطة ولبعض الفاعلين السياسيين الذين يستغلون مناصبهم لمصالحهم الشخصية، ولكن ترتبط كذلك بحدة تدبيره الشخصي لهذا الصراع. وهو صراع لا يرتبط فقط بمشروع جريدة أخبار اليوم ومؤسسها المعتقل بدوره في قضية لا يمكن إخفاء حقيقتها المرتبطة بالنشر المزعج للسلطة وبعض السياسيين ورجال الأعمال، بل يرتبط في جزء كبير منه بهذا المشروع، وبجزء آخر يرتبط بمواقف سليمان قبل وخارج “أخبار اليوم”..وإذا عدنا إلى افتتاحية الزميل والصديق يونس مسكين مدير نشر الجريدة حاليا، سنجد تفاصيل تفيد ان سليمان كان يفترض أن يوجد خارج الجريدة منذ شهور، وأن استقالته تم رفضها من طرف إدارة النشر وكان هناك اتفاق على مغادرته السفينة نهاية شهر مارس الماضي لولا مستجد جائحة كوفيد_19.
عبر تاريخ صحافتنا غير الرسمية، تم إسكات العديد من الزملاء الذين قاموا بواجبهم في نقل أخبار تفضح الفساد أو تزعج بعض المسؤولين أو رجال الأعمال النافذين، إما بالتهديد أو بطرق غير أخلاقية..وهناك من واصل العمل لكن بالابتعاد عن بعض المواضيع التي يمكن أن تتسبب له في الاعتقال أو الانتقام دون أن يتنازل عن أخلاقه المهنية واستقلاليته..وهناك طبعا من قبل على نفسه العمل ضمن أجندات رغم رفضه السابق لها أو رغم عدم اتفاقه معها.
الزميل سليمان اختار ألا يستسلم وألا يهادن، بل اختار المواجهة والدخول في معارك ليست بالضرورة هي معارك كل صحافي نزيه لا يرغب في تجاوز دوره كمهني.
هذه الاختيارات التي قام بها زميلنا لا يمكن إلا أن نحترمها ونقدرها، رغم اختلافنا معها…وفي نفس الوقت لا يمكن أن نعتبرها نهائيا سببا مقنعا لتتم مواجهته من طرف خصومه في السلطة وشبكتها بأساليب غير أخلاقية، سواء كانت محاولة تشويه السمعة عبر النشر، أو ترتيب متابعات قضائية تحت الطلب.
كنت أتمنى ألا يقع سليمان في خطإ التدوينة التي حسمت قرار اعتقاله، فربما كان بإمكان خصومه في السلطة “التعايش معه” لفترة أطول دون اللجوء إلى الاعتقال..ويستمر نشره وتعبيره “المزعج” في إحداث نوع من التوازن المفقود في مشهدنا الإعلامي ككل، بلادنا في أمس الحاجة إليه.
أما وقد وقعت الفأس على الرأس، فلا يسعني إلا أن أجدد ندائي إلى إعلاء صوت الحكمة من طرف الجميع. بلدنا يعيش حاليا مثل العديد من الدول أزمة اقتصادية خانقة ستزداد سوءا مع مرور الأيام. فجميعنا نحتاج إلى صحافة قوية تقوم بدورها في الإخبار والتحليل وتقصي الحقائق الخفية، وإلى مؤسسات قوية على جميع المستويات (سلطة تنفيذية..سلطة تشريعية..القضاء..هيئات استشارية..أحزاب نقابات..مجتمع مدني).
نحتاج إلى مصالحة وطنية نطوي من خلالها صفحة الماضي القريب بجميع أخطائه وتجاوزاته من أي جهة كانت.
مواجهة الأزمة حاضرا ومستقبلا تحتاج إلى وطن قوي بجميع مؤسساته ومكوناته.
الذين حاربوا سليمان و”أخبار اليوم” والأقلام المزعجة أخطأوا حين لجؤوا إلى أساليب غير أخلاقية..وسليمان أخطأ في التدوينة التي أفاضت الكأس..فلا نقع بدورنا في خطإ الصمت عن ظلمه ولا في خطإ الصمت عن نصحه.
الواجب علينا التضامن مع زميل معتقل لأسباب سياسية..تضامنا غير مشروط..وحين يستعيد حريته يمكننا وقتها مناقشته والاختلاف معه بما يجعلنا نراعي جميعا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
واجبنا كذلك قول الحق وما نراه صوابا بغض النظر عن تقديري السلطة وباقي الفاعلين السياسيين فيما نقول، مادامت دعوتنا إلى احترام الأخلاق المهنية والسعي إلى مصلحة الوطن وإلى تقوية جميع المؤسسات هي حافزنا الأول.

المصدر: الفجر نيوز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

منظمة الصحة تحذر المغرب من المنحى التصاعدي لعدد الإصابات والوفيات جراء كورونا

الفجر نيوز – متابعة في ظل تواصل ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات بسبب وباء كوفيد-19 في ...

%d مدونون معجبون بهذه: