الرئيسية / قضايا وحوادث / حكي السجون / قصص من واقع تجربة الاعتقال السياسي

قصص من واقع تجربة الاعتقال السياسي

بقلم: ذ. أحمد الحو

القصة السابعة:الطرابلسي الحارس الجديد
بعد إضراب كدت ان استشهد فيه ،نقلنا الى مصحة السجن المركزي ،ولم يعد بمقدور إمبراطور حي الإعدام ان يشرف على مراقبتنا ،عينت الإدارة الوافد الجديد عليها، الحارس طرابلسي،وكان الهدف هو ان يراقبنا بصرامة نحن المحكومين بالإعدام وان يجعلوا منه بن بابا و إمبراطور جديد يتحكم في مصيرنا ويسهر على تطبيق القوانين المجحفة الخاصة بالمحكومين بالإعدام،من ارتداء بدلة السجن وعدم مغادرة المصحة الا بإذن ٍ وبصحبة الطرابلسي وبمراقبة دقيقة وصارمة اثناء الزيارة وعدم السماح بدخول اي شيئ من العائلة والكلام معها بفارق سياجين حديدين سميكين ،يفرق بيننا وبينهم ازيد من متر ونصف،وبتقييد اليدين اثناء الخروج الى الساحة او الخروج من المصحة،كان الغرض من ذلك هو ان تتنصل الإدارة من كل الوعود والاتفاقات معها رديف فتح الإضراب عن الطعام.
وكان الطرابلسي هو الحارس الجديد المكلف بإنجاز هذه المهمة،وهو شاب طموح وحديث الانتقال الى السجن المركزي وقليل التجربة ،كغيره من الشبان اجتهد في التحصيل وحصل على دبلومات تأهله للجلوس في مكتب مريح وهو الحاصل على دبلوم عالي في المحاسبة،لكن حظه العاثر ساقه إلينا وبدون ان يدري صوروا له مسؤولية الفوز بإمبراطور وعوض ان يعطوه قلما سلموه مفتاحًا كبيرا وسوطا ،وقالوا له كل المستقل مشرع وزاهر أمامك ،وكان لا يعرف شيئا عنا الا الأوامر الصارمة التي أعطيته لكسرنا،علمًا ان كثيرون رفضوا هذه المهمة لمعرفتهم بقوة نضالنا وفشلهم المسبق في ترويضنا.
في اول يوم كان مسرورا واظهر كل الغلظة التي تخفي شابا يحمل مشاعر إنسان لا علاقة له البثة بوظيفته الحالية،وسرد علينا كل قوانين الإعدام التي نعرفها عن ظهر قلب، وكنا نبتسم باستهزاء وحاولنا ان نقنعه ان لا مجال لمصارعتنا لاننا كنا نعرف المآل المحتوم الذي سيصل اليه،لكنه كان يعيش حالة من الغشاوة اظلمت بصيرته،فقررنا بداية الحرب معه والهدف أولًا ان توقظه من غفلته وثانيًا ان نكسر تلك العصاة التي اريد لها ان تكسر أضلعنا.
لانه قيل له يجب ان يسجل كل حركة وسكنة عنا وعند ما يهم بإخراجنا الى الساحة يكون حريصا على تسجيل كل شادة وفادة عنا، فاتفقنا نحن المحكومون بالإعدام الستة على خطة تليق بمقامه تهدف الى إنهاكه نفسيا وعضويًا،من ذلك ان ندخل الساحة ونتفرق وهو يراقبنا عن بعد ويذهب كل واحد منا إلى المربعات الترابية في الساحة ونتظاهر كاننا نخبئ شيئا في التراب ونعيد در التراب على ماحفرنا،وما ان نخرج ويغلق علينا الباب نطل من كوة الزنزانة فنلمح الطرابلسي المسكين يبحث في كل جوانب الساحة ويهز التراب هزا لساعات طوال ولايجد شيئا وهو في حالة ذهول ورعب شديد ونحن نضحك في زنزازنا نراقبه من كرة ابوابها دون ان يرانا،كان هذا الأمر يتكرر على الأقل مرتين في اليوم،ولانه غير مسموح لنا بالمغادرة خارج المصحة الا برفقة الطرابلسي فقد وضعنا برنامجًا يظل فيه صاحبنا طالعًا نازلًا الى مصالح السجن كل مرة بصحبة احدنا بالتناوب، كان المسكين يشكو من هذا العمل الشاق فهناك من يريد الحلاق، وهناك من يريد الذهاب الى الحمام وآخر الى المطبخ وآخر الى الإدارة وآخر الى الزيارةوهلم جرا،وهكذا أفشلنا خططه بإحصاء انفاسنا وأنهكناه جسديا وبدأ المسكين ينهار شيئا فشيئا ،مر ازيد من شهر على هذا الحال انقلب حماسة الطرابلسي الى شعور بالقرف واليأس والتأفف ،اصيب بخلل نفسي وامراض عضوية من كثرة النزول والطلوع حيث اصيب بالعرج وهو الشاب القوي بالنية،آخر مرة قبل ان يقال من مهامه وتتراجع الإدارة عن مخططاتها لعدم الوفاء بعهودها اتجاهنا،التقيته لوحدنا بالساحة وهو في حالة نفسية منهارة وكنت ابتسم لحاله وما آل اليه وضعه،وقال لي انه قيل له ساشوه سمعته في الإعلام ،فقهقهت وقلت له لستَ في مستوى ان يدون اسمك في الجرائد واني في صدد امر آخر له، فخرج مسرعا لدى رئيسه وقال له ان فلان يهدده فاستدعاني وهو يزمجر قائلا عار عليكم لقد أهلكتهم هذا الشاب فأجبته كيف تكلفوا شابا عديم التجربة ومهزوز الثقة في نفسه وتتجاهلوا وضعيتنا كمعتقلين سياسيين وتحملوه مسؤولية اكبر منه ،فاقالوه من مهامه وتراجعت الإدارة عن خطاها في الالتفاف على مطالبنا.
مرت شهور وغاب الطرابلسي ولم نعد نرى له حسًا ولا ركزا ،الى ان التقيته بالمعهد القضائي بالرباط عندما كنت بصدد اجتياز امتحان الشفوي الخاص بالسنة الاولى حقوق وهو المكان الذي كان ينقل اليه السجناء لاجتياز ذلك الامتحان،وقد تحسنت حالته وتقدم و سلم علي بحرارة وعينه دامعة ويعتذر مني عما صدر منه وقال لي لقد جيشوني ضدكم وكنت عديم التجربة والآن فقد عرفت معدنكم وتعلمت منكم الشيئ الكثير ،ولو عاد بي الزمان لخدمتكم عوض محاربة أناس مناضلون وأشراف مثلكم.
يتبع…
المصدر: الفجر نيوز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

منظمة الصحة تحذر المغرب من المنحى التصاعدي لعدد الإصابات والوفيات جراء كورونا

الفجر نيوز – متابعة في ظل تواصل ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات بسبب وباء كوفيد-19 في ...

%d مدونون معجبون بهذه: