الرئيسية / دراسات وأبحاث / حوارات مغربية / حوار ماتع حول مقاصد الشريعة والفقه المقاصدي مع الدكتور عبدالنور بزا

حوار ماتع حول مقاصد الشريعة والفقه المقاصدي مع الدكتور عبدالنور بزا

أجرى الحوار : ذ. عبدالفتاح الحيداوي

علم المقاصد أثر فيه الكثير من العلماء القدماء والمحدثين من أمثال الإمام الجويني في كتابيه البرهان والورقات وتابعه في ذلك تلميذه الغزالي في كتابه المستصفى في علم الأصول ومن المحدثين الشيخ الطاهر بن عاشور وعلال الفاسي وأحمد الريسوني وغيرهم كثير…

ونظرا للأهمية القصوى لهذا العلم والحاجة الماسة إليه في كل عصر وخاصة في عصرنا هذا، خص الدكتور عبدالنور بزا جريدة “الفجر نيوز” بهذا الحوار المقتصتب على أمل أن نعود معه في وقت لاحق للتفصيل في هذا الموضوع.

1) ما مفهوم مقاصد الشريعة و ما هو الفقه المقاصدي ؟

مقاصد الشريعة باختصار شديد هي الإجابة عن سؤال؛ لماذا جاءت الشريعة ؟

وهذا هو سؤال التعليل نفسه. ومفاده أن الشريعة معللة بمقاصدها التي هي رعاية مصالح العباد. ولذلك كان ” التعليل المصلحي أساس نظرية المقاصد.”[1]؛ كما هو المستفاد من قول العز بن عبد السلام:” وقد علمنا من موارد الشرع ومصادره أن مطلوب الشرع؛ إنما هو مصالح العباد في دينهم ودنياهم.”[2]  وهو ما نص عليه الشاطبي فيما عبارته:

” والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل معا.”[3] وأن ” الشريعة كلها ترجع إلى حفظ مصالح العباد ودرء مفاسدهم، وعلى ذلك دلت أدلتها عمومًا وخصوصًا، دل على ذلك الاستقراء.”[4]  و” الشريعة كلها دالة على أنها في مصالح الخلق من أوجب الواجبات.” [5]

وهو ما يقطع بأن أحكام الشارع الحكيم في مجموعها معلَّلة بالحِكَمِ والمناسبات والمقاصد والمصالح العائدة على العباد. وهذا النوع من التعليل فرع عن اتِّصاف الله بمنتهى الحكمة واللطف والعلم، والتنـزُّه عن العبث، وهو الذي لم تختلف فيه أنظار العقلاء؛ إذ ” لا خلاف بين العقلاء أنَّ شرائع الأنبياء قُصِدَ بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية.”[6] وهو ما انتهى إليه محمد مصطفى شلبي؛ إذ قرر أن ” نصوص التعليل في القرآن والسنة، ومسلك الصحابة والتابعين وتابعيهم فيه، غير متخالفين ولا متنازعين، وفيه الحجة القاطعة على أن أحكام الله معلَّلة بمصالح العباد، وقد وجد إجماع أو شبه إجماع على هذه الدعوى قبل أن يولد المتخاصمون فيها”[7] من المتكلمين والأصوليين وغيرهم.

وبالجملة؛ فمقاصد الشريعة هي مصالح الإنسان الموافقة لقصد الشارع باختصار شديد. وإذا سلم هذا المعنى فما المراد بالفقه المقاصدي ؟

 

 ما هو الفقه المقاصدي ؟

 

المراد بهذا المركب الوصفي؛ ” الفقه المقاصدي ” لا يخرج عن معرفة ما اشتملت عليه الشريعة من مقاصد إلهية، وما راعته من مصالح إنساية، في جميع المجالات، وعلى كافة المستويات، مما له علاقة بخاصة المكلفين وعامتهم.

وهذا المعنى هو ما يصطلح عليه اليوم إجمالا بـ” الفقه المقاصدي “. ومؤداه: فهم أحكام الشريعة فهما مقاصديا مصلحيا تعليليا اجتهاديا؛ بعيدا عن التعامل الحرفي الظاهري السطحي مع النصوص من جهة، وعن التقليد والجمود على موروثات الأوائل من جهة، والتشبع بهذا الفهم، والتمكن من قواعده، والتوسل بمنهجه، واعتماد أدواته واستصحابها ” في كل ما يمكن تقديره أو تقريره أو تفسيره، ليس في مجال الشريعة وحدها؛ بل في كل المجالات العلمية والعملية.”[8] 

و” الفقه المقاصدي ” بهذا المفهوم؛ يعني: الاجتهاد في إدراك المعاني والحكم، وفهم الأسرار والعلل، ومعرفة المصالح التي يقصدها الشارع من وراء النصوص وظواهر الأحكام، وترجمتها تداوليا على جميع المستويات الخاصة والعامة؛ بحيث تنتقل من خاصة النظر العلمي إلى عامة التفعيل العملي. وهذا هو ما نعنيه بالفقه المقاصدي إجمالا.

 

2) هل الاشتغال بمقاصد الشريعة مجرد موضة عصرية ؟

 

أقل ما يقال في الجواب عن هذا السؤال أنه مجرد دعوى بغير بينة ، والدعوى بغير بينة لا تصح ؛ وهي دعوى من لا خبرة له ولا دراية له بماهية المقاصد ولا بمصادرها ولا بمقاصدها. إذ لو علم ماهيتها وعرف مصادرها ووقف على مقاصدها لأدرك أن الاشتغال بها هو من صميم الاشتغال بمصالح الإنسان وحقوقه. وهو أعظم وأفضل ما يشتغل به أهل العلم ومن يهتم بعلم مصالح الإنسان؛ لا يمكن أن يقال عن اشتغاله أنه موضة. لأن الموضة ليس هذا موضوعها ولا مجال اهتمامها أصلا. ومن ثم ؛ فهذا السؤال هو من قبيل الأسئلة التي لا معنى لها. ولذلك فهو خارج السياق ابتداء. ولا يستحق في الإجابة عنه أكثر من هذا التنبيه المختصر.

 

3) ما هي القضايا الحارقة التي ينبغي للدرس المقاصدي أن ينكب على مدارستها ؟

 

هذا سؤال جوهري فعلا، وهو من صميم ما يعنى به الدرس المقاصدي ابتداء ، وجملة القول فيه:

إن الدرس المقاصدي لا يهتم بشيء، أكثر ما يهتم بالأسئلة الجوهرية. ولا ينكب على مدارسة شيء أكثر ما ينكب على مدارسة القضايا التي تشغل الناس وتجيب عن أسئلتهم ومعضلات حياتهم الخاصة والعامة. وهي في محصلتها النهائية لا تخرج عن خمسة أسئلة مركزية من صميم المقاصد الضرورية؛ وهي:

 

1- سؤال المرجعية الحاكمة ؟ بما هي إجابة عن مجموع الأسئلة الكبرى ذات العلاقة بـ:

 

فلسفة الوجود؛ ممثلة في ثلاثة أسئلة مركزية؛ وهي:

سؤال العلة الفاعلة. أو من الفاعل المؤثر في هذا الكون بما فيه ومن فيه ؟

وسؤال العلة المادية. أو ما هي مكوناته الأصلية بما فيه ومن فيه ؟

وسؤال العلة الغائية. أو ما الغاية من وجوده بما فيه ومن فيه ؟

 

وفلسفة المعرفية ؛ بما هي سؤال عن مصادر العلم.

هل هو العقل ؟ أو الوحي ؟ أو التجربة الحسية ؟ أو كل هذه الثلاثية ؟

ولمن الأولوية في إدراك ما في الأشياء والأفعال من حسن وصلاح وخير ونفع ؟ أو قبح وفساد وشر وضرر ؟ هل للعقل ؟ أو للشرع ؟ أو لهما معا ؟

 

وفلسفة القيم ؛ بما هي أخلاق وقوانين تشريعية ونظم ولائية؛ من شأنها أن تؤطر الحياة البشرية وتنظمها وتحكمها بما يعود عليها بالنفع العام.

 

وهذا هو ما يعبر عنه في الفقه المقاصدي بمقصد حفظ الدين؛ بما هو وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختبارهم المحمود إلى الصلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة.

 

2 – سؤال الحياة ؟ بما يعنيه من توفير لكل ما يقيمها ويديمها وجودا ؛ من هواء وغذاء وماء ودواء وسكن ولباس. ويقيها من التلف الواقع أو المتوقع من جهة العدم بحفظها من كل ما يؤذيها أو يجوعها أو يسجنها أو يسممها أو يقتلها سواء من طرف صاحبها أو من قبل غيره. وهو ما يسمى في الفقه المقاصدي بمقصد حفظ النفس؛ بما هو بنيان الله الذي لا حق له ولا لغيره في هدمه بغير حق. ومن هدمه فملعون.

 

3 – سؤال العقل ؟ بما هو أداة فعالة في تحصيل العلوم والمعارف وتطويرها وتجويدها؛ مما يقتضي تمكينه من كل ما يقويه وينميه ويساعده على البحث، وييسر له عمليات الاكتشاف والاجتهاد والإبداع والعطاء العلمي بلا حدود من جهة الوجود، وحمايته من كل ما يضعفه من جهل وأمية وتقليد وأفكار خرافية، أو يغيبه ويقتل قدراته ومهاراته من مفترات ومسكرات ومخدرات من جهة العدم. وهو ما يترجم عنه في الفقه المقاصدي بمقصد حفظ العقل؛ بما هو مناط التكليف والفهم والاستنباط والتنزيل العملي لقوانين الشريعة ومقاصدها وقيمها.

 

4 – سؤال النوع ؟ بما يعنيه من تأسيس للعلاقات الجنسية في إطار مؤسسة الزواج التي هي قاعدة مؤسسة الأسرة بكل ما تعنيه من عيش مشترك مفعم بكل معاني الرحمة والمودة والتعاون والاستقرار النفسي والعاطفي بين مكوناتها من أبوين وأولاد وأحفاد وأقارب، وبكل ما تعنيه من إسهام في عملية استمرار وتكثير النوع البشري، بعيدا عن كل ما يناقضها من العلاقات الجنسية المثلية الشاذة التي من شأنها أن تعود على الأسرة بالخراب، وعلى النوع البشري بالانقطاع والفناء متى اكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ولو بعد حين. وهو ما يعرف في الفقه المقاصدي بمقصد حفظ النسل. بما يعنيه من روابط حميمية ومسؤولية وتبادل للحقوق والخدمات؛ ملزمة وطوعية.

 

5 – سؤال المال ؟ بما هو تعبير عن الثروات الاقتصادية في أبعادها الثلاثية:

 إنتاجا لكل ما يُحْتَاج إليه باعتدال سواء في خاصة الأفراد أو عموم الأمة.

وتوزيعا لجميع الخيرات العامة بعدل ؛ لكي لا يكون دولة بين الأغنياء دون الفقراء.

واستهلاكا في حدود التوسط دون إسراف ولا تقتير …إلخ وهو ما يوسم في الفقه المقاصدي بمقصد حفظ المال بكل ما يعنيه مما يملك وينتفع به ثروات سواء في خاصة الأفراد أو عموم المجتمع والدولة.

وهذه الخماسية يتفرع عنها ما لا ينحصر من الأسئلة الفرعية ذات العلاقة بجوهر المقاصد / مصالح الإنسان. وفي مقدمتها؛ سؤال الحرية والعدالة والكرامة والمساواة والشغل والصحة والتعليم … إلخ

زد على ذلك سؤال المقاصد الحاجية ؟ بجميع ما تعنيه من توفير لكل ما من شأنه أن ييسر مأمورية المصالح الخاصة والعامة ؛ من آليات وولايات تربوية واجتماعية و اقتصادية وسياسية وأمنية … إلخ

وقل مثل ذلك عن سؤال المقاصد التحسينية ؟ بكل ما تعنيه من جمال وما تضفيه من زينة وبهجة على الحياة الخاصة والعامة لأمة الإسلام في جميع المجالات وعلى كل المستويات ؛ ما يجعلها أكثر جاذبية في أعين الزائرين؛ مما يغريهم بالانتماء إليها والعيش في رحابها.

 

وحاصل القول: إن العمران البشري لا يقوم كما يجب، ولا يدوم إلى يوم الوقت المعلوم ؛ إلا بموافقة المكلفين لقصد الشارع الحكيم في تمثل ما جاءت الشريعة لأجله من مصالحهم الضرورية التي لا وجود لهم بدونها، والحاجية التي لا تيسير لحياتهم في غيابها ، والتحسينية التي لا سبيل إلى تقلبهم في العيش الجميل إلا بها. والحمد لله رب العالمين. وإنما الأعمال بالمقاصد.

 

                                                                            الدكتور: عبد النور بـزا

 

 

المراجع:

1- نظرية المقاصد عند الشاطبي لأحمد الريسوني. الرباط: دار الأمان، 1411ﻫ/1991م، ص217.

قال حمادي العبيدي:” قضية تعليل الأحكام هي التي كانت سبباً في نشأة علم المقاصد.الشاطبي ومقاصد الشريعة، بيروت: دار قتيبة، 1412ﻫ/1992م، ص124، 125.

وقال يوسف أحمد البدوي:” مسألة التعليل هي لبُّ علم المقاصد وركنه الركين.” مقاصد الشريعة عند ابن تيمية، الأردن: دار النفائس، 1421ﻫ/2000م، ص139.

وقال طه جابر العلواني: “إن المنحى التعليلي يعد المنطلق الأساس للفكر المقاصدي.” “منطلقات أساسية لبناء الفكر المقاصدي”، مجلة المنطلق الجديد، ع1، 2000م، ص43.

2- قواعد الأحكام، لعز الدين بن عبد السلام. تحقيق: نـزيه كمال حماد وعثمان جمعة ضميرية، دمشق: دار القلم، 1428ﻫ/2007م. 1 / 53.

3- الموافقات. للشاطبي. تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، 1417ﻫ/1997م  2 / 12.

4- الموافقات. م س. 5 / 230.

5- الموافقات. م س. 2/309. 

6- الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي. تحقيق: هشام سمير البخاري، الرياض. دار عالم الكتب، 1423ﻫ/2003م، 2/64.

7- تعليل الأحكام، لمصطفى شلبي، بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر، 1401ﻫ/1981م. ص 96.

8- الفكر المقاصدي، قواعده وفوائده، لأحمد الريسوني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، ص 35.

 

  

المصدر: الفجر نيوز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ارتفاع حالات كوفيد بجهة الرباط بـ 101 إصابة منها 46 حالة بمدينة سلا لوحدها

الفجر نيوز – سلا ارتفعت الحصيلة الاجمالية لإصابات كورونا بجهة الرباط سلا القنيطرة الى 3069 ...

%d مدونون معجبون بهذه: