الرئيسية / أعمدة ومقالات / من أجل إستراتيجية ناجحة للخروج من الحجر الصحي

من أجل إستراتيجية ناجحة للخروج من الحجر الصحي

بقلم: د. مصطفى كرين

إن أي تفكير في إستراتيجية ناجحة للخروج من الحجر الصحي تستدعي أولاً فهماً صحيحًا لهذا الإجراء والأخذ بعين الاعتبار لمنهجية وصيرورة تدبير وتعاطي الحكومة والمواطنين معه، وفي هذا الصدد لا بد أولا من الإشارة إلى أنه في سياق التعامل مع هذا الوباء، يعتبر الحجر الصحي جزءً من الحل فقط وليس هو كل الحل ، وبالتالي لا يجب تحميل هذا الإجراء أكثر مما يحتمل ولا يجب التعويل عليه كليًا للقضاء على كورونا، وإلا سنكون أمام منهجية تفكير وتدبير غير واقعية على الإطلاق، بل قد تتسم بخطورة بالغة نظراً للإحباط الذي يمكن أن يتولد لدى الناس في حالة استمرار الحجر لمدة طويلة دون أن يسفر عن اختفاء الوباء أو انخفاض أعداد المصابين.

وبناءً عليه أعيد التأكيد هنا، في سياق النقاش العمومي المتعلق ببلورة تصور لتجاوز هذا الوضع، أن نقطة ضعف المقاربة التي تتداولها العديد من الأوساط الرسمية والحكومية وغير الرسمية، هو أنها تنبني حصرياً على ربط مسألة رفع الحجر الصحي بعدد الحالات المسجلة وتطور الوباء، وبالعكس من ذلك فإنني أعتقد أن الرهان يجب أن يكون على مستوى الاستعداد والتجهيز وليس درجة الابتعاد وعدد الإصابات، ونجاح دول كالصين وكوريا وغيرها كان أساسه هو المزاوجة بين درجة عالية من الاستعداد من حيث البنيات ووسائل الوقاية أولا والالتزام بالحجر الصحي ثانيا.

في المغرب، حين تم فرض الحجر الصحي أعلن آنذاك وزير الداخلية أن “الهدف ليس هو وقف عجلة الاقتصاد الوطني”، وقبل بضعة أيامٍ قال ما معناه ” أننا ربما يجب أن نتعايش مع هذه الأزمة ” .
ويؤكد هذا القول تصريحات رئيس الحكومة سعد الدين العثماني حين أعلن في حواره الأخير أن الحكومة لا تتوفر على تصور جاهز للخروج من هذه الجائحة ،. هذه التصريحات تمت تزكيتها ضمنيا من طرف وزير الصحة الذي اعتبر أن الشروط الضرورية لرفع الحجر الصحي لم تتوفر بعد .
كل هذا يعني بأن أمد الجائحة ربما سيطول أكثر مما كنا نظن، ولذلك يؤسفني القول بأن المقاربة المعتمدة لحد الآن من طرف الحكومة كما ذكرت ، والمبنية على المعطيات الإحصائية ، غير قابلة للتطبيق وغير مؤهلة للاستمرار على المدى المتوسط والطويل أما على المدى القصير فإنه من الواضح أن نتائجها على النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأمني ستكون صعبة وطويلة.

فإستراتيجية الحكومة مبنية على معطيات إحصائية غير مستقرة من جهة وغير واضحة من جهة أخرى وغير خاضعة للتوقع مستقبلاً من جهة ثالثة، ويكفي أن نتذكر أن كل التوقعات التي قدمتها المنظمة العالمية للصحة والمؤسسات الإحصائية في مختلف البلدان حول التطورات المحتملة للوباء كان الفيروس يكذبها ويتلاعب بها، كما أنه اليوم لا أحد يمكنه التنبأ إذا ما كان الوباء سيستمر بشكل ما ( وقد يحدث ذلك ) ، ولا يمكن معرفة إذا ما كانت ستحدث ( قد تحدث ) طفرة أو طفرات جينية جديدة تتسبب في موجات جديدة من الإصابات ولا أحد يمكنه معرفة ما إذا كان سيظهر فيروس أو وباء جديد يكون أشد فتكًا من الفيروس الحالي، لذلك فإننا نسير في عالم من اللايقين، لا ينفع معه سوى شيء واحد هو أن نكون مستعدين .
بدأنا من نقطة كانت المشكلة فيها هي الوباء ونحن اليوم وصلنا لنقطة أنضافت فيها الصعوبات الاقتصادية للوباء فأضحينا أمام معضلتين، لذلك فإن الحل المزدوج يجب أن يتضمن في نفس الوقت ما يلي :
إعادة تدوير عجلة الاقتصاد الوطني في أقرب الآجال من جهة واستثمار ما تمت مراكمته كتجربة من أجل مواجهة الجائحة من جهة أخرى .
ولذلك أقترح التركيز على إستراتيجية على محورين : الاستعداد والتدرج
– أولاً : الاستعداد :
١- على مستوى الأفراد والمؤسسات والإدارات والوحدات الإنتاجية : من خلال بلورة دفتر تحملات خاضع لموافقة لجنة متعددة التخصصات ،
دفتر تحملات يشتمل على ما يلي :
ضمان مخزون من وسائل الوقاية والتوعية والانضباط كأن يتم توفير مخزون من الكمامات والمعقمات يكفي
شهرًا كاملًا على الأقل مع تجديده باستمرار ، ورسم مسلك معقم ( وليس ممر التعقيم ) أي مسار يضبط حركة العاملين من لحظة الولوج للعمل وحتى مغادرته ويكون مسارا خاضعا لعملية تعقيم دورية ، وتسهر لجنة مختصة كما سبقت الإشارة على التأكد من توفر هذه الشروط قبل إعطاء الإذن باستئناف العمل.
٣- استعداد الدولة : من خلال استراتيجية استعجالية من جهة، تأخذ بعين الاعتبار مواجهة هذا الوباء على المدى القصير، في انتظار اكتمال الاستراتيجية الممتدة في الزمن من أجل مواجهة الموجات المتتالية المحتملة من الأوبئة على المدى الطويل ، أخذا بعين الاعتبار أن نقطة ضعفنا لا زالت قائمة ، وهي نظامنا الصحي الذي يعاني من عدم الجهوزية وعدم وجود بنية تحتية مؤهلة وكفؤة لمواجهة موجة أو موجات أخرى من الوباء حيث لم نسمع شيئًا لحد الآن
– لا عن تأهيل البحث العلمي حتى لا تبقى رقابنا تحت سيف المختبرات الأجنبية ، خصوصا أنه في حالة اكتشاف اللقاح فإن تكلفته ستبتلع مبالغ طائلة من الناتج الوطني وسنشتري اللقاح بأثمنة خيالية. – ولم نسمع شيئا عن بناء وتأهيل مستشفيات جديدة – ولا عن تعزيز الكفاءات الطبية والتمريضية للاستعداد لما هو آت لا محالة.

وفي هذا الباب فإنه في حالة عودة عجلة الاقتصاد الوطني للدوران ، قد يكون من الجيد توجيه ما تبقى وما سيأتي لاحقًا من أموال صندوق كورونا نحو بناء المستشفيات وتجهيزها من جهة وتحصين المواطن من سهولة الإصابة بالمرض عبر تمكينه من وسائل الوقاية ، أي الكمامات والمطهرات والمسالك المعقمة مع توفير دليلٍ للتعقيم ، ودليلٍ للوقاية والتكفل ، وتأهيل مصالح النظافة الخارجية
– ثانيا : التدرج : لا يتعلق أمر التدرج هنا لا بالجهات ولا بالقطاعات ، فكل الجهات تحتاج لتدوير عجلة اقتصادها حتى لا تبقى عالة على الميزانية العامة ، وكل القطاعات هي قطاعات أولوية ، ولا يوجد قطاع ثانوي ، هي قطاعات أولوية ليس باعتبار ما تنتجه ولكن باعتبار ما تتيحه من امتصاص للبطالة وتحقيق لدخل فردي كفيل بالاستجابة لحاجيات الأسر ، وضمان الاستقرار والسلم الاجتماعي ، ولذلك فإن التدرج الذي نعنيه بكل بساطة يتعلق بموجات انخراط المواطنين في العملية الإنتاجية وفق الاحتياطات السابقة الذكر ، حسب درجة واحتمالات تعرضهم للعدوى ، ونقترح ذلك كالتالي :
– أن يتم السماح إبتداءً من فاتح يونيو لكل الأشخاص الذين هم تحت سن الأربعين ولا يحملون أي مرض مزمن من الأمراض التي قد تعرضهم لسهولة العدوى
– وبعد عشرة أيام يتم السماح للأشخاص الذين هم بين الأربعين والخمسين سنة ولا يعانون من أي مرض مزمن من الأمراض التي قد تعرضهم لسهولة العدوى
– وبعد عشرة أيام يتم السماح للأشخاص الذين هم فوق الخمسين وسنة ولا يعانون من أي مرض مزمن من الأمراض التي قد تعرضهم لسهولة العدوى
– وبعد عشرة أيام يتم السماح لباقي الموظفين والعمال ، حسب درجة الحاجة إليهم في العملية الإنتاجية
– أما بالنسبة للفئات المتقدمة في السن والتي تعاني من أمراض تعرضها للعدوى فإنه يمكن إيجاد صيغة لإحالتهم على تقاعد مبكر وفق شروط يتم تدارسها مع النقابات والتمثيليات المهنية .
– التوظيف الأمثل للتكنولوجيا في تدبير باقي الاحتياطات : مثلا بالنسبة للإدارات والمحاكم : يتم الحد من المتواجدين داخلها بواسطة جعل الولوج إليها مرهوناً بالتوفر على استدعاءٍ ، وهذا الاستدعاء يمر عبر حجز موعدٍ على المواقع والتطبيقات المخصصة لذلك حسب كل إدارة ، أو من خلال إرسال رسالة إلى رقم هاتفي محدد يمَكّن من إعطاء موعد أوتوماتيكي ، مع التأكيد على الحضور قبل الموعد بمدة زمنية قصيرة جداً ، والمغادرة فور انتهاء المصلحة ، ويتم تخصيص مدخل خاص بالموظفين وآخر للمرتفقين ، والمرور عبر المسلك المعقم دخولاً ومغادرةً . ووضع بوابات إلكترونية تقيس الحرارة ولا تفتح إلا في حال كانت درجة حرارة المرتفق عادية .
– التعليم : بينما يعتبر التخفيف من المقررات والإلغاء المؤقت أو الكلي لبعض الدروس والمواد الدراسية وتقليص مدة الحصص ، وتكثيف عملية التفويج ، حلولا أساسية من أجل فعالية العودة للمدرسة ، ودائما وفق شروط الوقاية المبينة سابقًا .

قد يقول البعض أن تبنينا لهذه الاستراتيجية يعني أن المدة التي فرض فيها الحجر الصحي كانت غير ضرورية ، وهنا نقول أن العكس هو الصحيح بل كانت ضرورية جدا لسببين جوهريين ، أولا لقد ساعدتنا على امتصاص صدمة المفاجأة والتأقلم مع الوضع الجديد الذي يتميز بوجود ضيف ثقيل الظل ألا وهو فيروس كورونا ، وثانياً مكنتنا من بسط القدر الكافي من الوعي والفهم لوسائل الوقاية وأهلتنا للمرور من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم

المصدر: الفجر نيوز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نقابة الصحافة تمسك العصا من الوسط .. نلتزم بالحفاظ على حقوق جميع أطراف قضية الريسوني

الفجر نيوز – الرباط قالت النقابة الوطنية للصحافة المغربية في بلاغ لها بخصوص توقيف الصحافي ...

%d مدونون معجبون بهذه: