أخبار عاجلة
الرئيسية / أعمدة ومقالات / مستقبل “العدالة والتنمية” بين جيلين

مستقبل “العدالة والتنمية” بين جيلين

بقلم: د. علاء الدين بنهادي*

توطئة:

حاول خصوم حزب العدالة والتنمية إسقاطه منذ تصدره للمشهد الحكومي لما حملته انتفاضة حركة 20 فبراير إلى رئاستها، رغم أنه اتخذ موقفا براغماتيا منها، دعم الربيع العربي خارجيا وحاربه داخليا، فأثمر هذا التكتيك المكيافيلي عن مكافأته اضطرارا، وبضغط من الولايات المتحدة الأمريكية في سياق ثورات الربيع العربي عام 2011، برئاسة حكومة كانت قبل ذلك بقليل تجهز لأحد غريميه، حليفا السلطة، حزب الأصالة والمعاصرة أو التجمع الوطني للأحرار، في إطار تحالف (مجموعة 8).

ولقد شكلت مشاركة التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية وحزب الاستقلال في حكومة عبد الإله بنكيران الخطوة الأولى في مشروع إفشال وإسقاط حكومة حزب العدالة والتنمية، توجت بانسحاب حزب الاستقلال منها تمهيدا لإسقاطها، وهي سياسة اتبعها الملك الراحل الحسن الثاني كلما اضطرته إكراهات السياسة المحلية والدولية لدعوة أحزاب كانت الملكية تنظر لقادتها بتوجس وريبة لرئاسة الحكومة، حكومة عبد الله إبراهيم لمواجه انتفاضة الريف عام 1958، وحكومة عبد الرحمن اليوسفي لإنقاذ الملكية من “السكتة القلبية” عام 1998، وحكومة عبد الإله بنكيران لإنقاذ الملكية من لهيب حركة 20 فبراير عام 2011،حكومات فرض عليها ما يسمى في أدبيات المخزن السياسية بوزارات السيادة، مناصب يعين الملك على رأسها رجاله المقربين.

وتمثل هذه الوزارات الاستراتيجية والعديد من المؤسسات والأجهزة الأخرى حكومة الظل، أو الدولة العميقة، التي تتبع مباشرة للديوان الملكي ضمن اختصاصات مستشاري الملك، مثل الخارجية والداخلية والدفاع والشؤون الإسلامية والأمانة العام للحكومة والعدل، إضافة إلى تبعية الإدارات الأمنية والمخابرات مباشرة للملك بصفته رئيس مجلس الوزراء وصاحب قرار التعيين، يعينون بظهير ملكي، والإدارة العامة للأمن الوطني والإدارة العامة للوثائق والمستندات والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والنيابة العامة والكتاب العامون ومدراء الوزارات والسفراء والضباط السامون والقضاة ومدراء ورؤساء المرافق العمومية وشبه العمومية والمندوبيات السامية وبنك المغرب وبعض القطاعات الاقتصادية الحيوية مثل الشركة الشريفة للفوسفاط واتصالات المغرب. ماذا بقي لرئيس الحكومة المنتخب من الشعب؟ إنها مجرد حكومة تصريف أعمال ورئيسها مجرد موظف تنفيذي سام عضو بمجلس الوزراء.

خسارة الحزب في معركة النفس سبقت خسارته السياسية:

لقد هزم حزب العدالة والتنمية في معركة النفس قبل أن يهزم في ساحة السياسة يوم الثامن من سبتمبر، كانت نفس بعض قادته خاوية وغافلة منذ سنوات بعد أن شغلوا بالمناصب والمكاسب والشهوات، واستبدلوا معركة بناء الذات والمجتمع وتحصينهما من الانحراف القيمي ومزالق السياسة وبريقها بمعركة الوهم، الإصلاح من الداخل، معركة لا يملكون فيها مقومات النصر وشروط الفوز والقوامة السياسية، لأنهم، من جهة، دارت رحى هذه المعركة في ساحة خصومهم في الزمان والمكان اللذين لم يكن لهما فيهما نصيب، ولأنهم، من جهة أخرى، دخلوها بشروط خصومهم لا بشروطهم، وخاضوها بنفس قابلة للهزيمة، شغلها حب المواقع عن حب المواقف، فوقعت صريعة في ظرف وجيز.

إن الوقوع في المصائب يكون، في معظمه، وكما وقع يوم الثامن من سبتمبر للحزب، بسبب التخلي عن أخلاق الإسلام والغفلة عن قيمه وتربيته وأصوله التي تمثل الركن الشديد للشخصية المسلمة، وإذا ساءت الأخلاق، كان من السهل والطبيعي أن تسوء أحوال الحزب ورجاله. لقد نسي قادة الحزب بأن حمل المسؤولية، مسؤولية الدعوة الإسلامية في بعدها السياسي، يكون بحجم المسؤولية التي تقلدوها أو سعوا إليها.

إن الهزيمة الحقيقة التي ألمت بالحزب هي هزيمة الروح، وهي أخطر من الخسارة السياسية، وإن الأخطر منها هو تبرير الهزيمة بدل العمل على فهم أسبابها الذاتية قبل الموضوعية، وإلقاء اللوم على الآخر، الخصم، وإغفال العامل الذاتي والنفسي. إنها معركة القيم والرجال والنفس قبل أن تكون معركة القاسم الانتخابي وشراء الذمم والإغراءات ومحاضر التصويت. لقد خسر الحزب معركة المبادئ والمرجعية، خسر المعركة مع الذات على مدى العشر سنوات الأخيرة، خاصة الخمس سنوات الأخيرة خلال ولاية أمين عام الحزب ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني وفريقه، فريق خسر المعركة يوم الاختبار العسير سنة 2016 حينما ضحى برئيس حكومته المنتخب وأمين عام حزبه عبد الإله بنكيران وقبل بشروط خصوم الحزب المهينة التي رفضها بنكيران وصمد أمام الضغوطات والإكراهات لستة أشهر، فكان الثمن غاليا وكانت العاقبة سيئة ومدمرة يوم الثامن من سبتمبر.

إنه حين أدرك خصوم الحزب منذ وقت مبكر، منذ عامي 2012 و2016، أنهم لن يهزموه في ساحة العمل والصناديق وبقواعد السياسة التي وضعوها هم أنفسهم، لجأوا، يوم الثامن من سبتمبر، بل وقبله، إلى المكائد والطعن في الظهر، بأيديهم وبأيدي رجال من الحزب، فأجهزوا عليه يوم هندسة الاقتراع. ولأن قادة الحزب الذين تحملوا المسؤولية التنظيمية والحكومية والتشريعية والجهوية والجماعية قد ابتعدوا عن مرجعيتهم ونبعهم الفكري والقيمي والروحي وأصبحوا يخوضون المعارك السياسية غير محصنين وتساووا مع خصوهم في الأخطاء والخطايا، كانت الغلبة لخصومهم الذين هم أكثر منهم عددا وعدة وسندا. لذلك نقول، فيما يتعلق بمسألة علاقة الحزب بحركة التوحيد والإصلاح، في مثل هذه الظروف الدقيقة، إن تلافي الأخطاء وعدم تكرارها بالنسبة للجيل الذي سيقود الحزب في المرحلة القادمة يكون بالوحدة لا بالقطيعة، بجمع القوة لا بذهاب ريحها، وحدة في المنطلق والهدف لا في الأسلوب والمسار.

حركية الإسلام بين الدعوة والدولة:

تدعو اليوم أصوات معتبرة وقيادية إلى تصحيح مسار الحزب داخل أروقته وصفوفه وإعادة النظر في طريقة اشتغاله وترتيب أوراقه وعلاقته بالمؤسسة الملكية على أسس جديدة من الوضوح من منطق التعاون لا التماهي، في الوقت الذي تدعو فيه نفس الأصوات إلى الفصل بين الحركة والحزب في إشارة واضحة إلى مستقبل علاقتهما بدعوى أن كلا الحقلين والتنظيمين قد ألحقا ضررا بليغا ببعضهما البعض بسبب حالة تماه بين الدعوي والسياسي خلقت الكثير من اللبس والجدل في الساحة السياسية وتسببت في أزمة بين الحزب والسلطة كان ذروتها عام 2003 عندما أعفي رئيس الحركة الأسبق الدكتور أحمد الريسوني من مهامه بسبب ما تضمنه حوار أجرته معه إحدى المجلات الفرنكوفونية تناول فيه شروط الفتوى وعلاقة ذلك بالملك بصفته أميرا للمؤمنين، واعتبر ذلك تجاوزا لحدود الداعية وحديثا في السياسة وهو مجال الحزب وليس اختصاص الحركة، ومن بعد ذلك قانون الفرنسة وقانون القنب الهندي واتفاقية التطبيع مع الكيان الصهيوني، قضايا اعتبرتها الحركة أخطاء قاتلة ارتكبتها قيادة الحزب كان من الطبيعي أن تفضي لما وقع يومن الثامن من سبتمبر ويجب أن تنتهي بتنحي هذه القيادة عن إدارة الحزب.

إن حصر الدعوة في مسائل التربية والوعظ والتوجيه وفي علاقة الإنسان بالله عقيدة وسلوكا ومنهج حياة شخصية دون تعديها لما هو ولاية عامة وسياسة شرعية تعنى بشؤون الراعي والرعية والتعاقد بينهما وبنظام الحياة العامة من خلال تشريع محكم وشامل للمعاملات والأعراض والدماء والحقوق والواجبات عامة، هذا الحصر نجم عن واقع تاريخي تعرضت له الأمة الإسلامية غداة سقوط الخلافة العثمانية عام 1924 وتفككها إلى عشرات الدويلات والكيانات السياسية وتعرض أكثرها للاستعمار الأوروبي، لتشهد منتصف خمسينيات القرن الماضي مدا تحرريا من ربق الاستعمار وولادة الدولة القطرية في البلاد العربية تحت حكم الجيل المؤسس عقب الاستقلال بمختلف خلفياته الفكرية والإيديولوجية، علمانية وقومية ويسارية وليبرالية ورجعية محافظة، من العراق إلى مصر، ومن الشام إلى المغرب.

كان من نتائج هذا الوضع السياسي الجديد احتكار النظم السياسية، بكل توجهاتها، للحقل الديني ومنع أي استعمال سياسي للإسلام داخل الأحزاب وفي أدبياتها إلا ما كان يتماهى مع السياسة الرسمية للدولة وفهمها للدين ودوره في المجتمع والدولة على لسان علمائها الرسميين ومؤسساتها الدينية.

وإن من الأخطاء التي وقع فيها كثير من الناس حيال هذه الأصوات المطالبة بمراجعة هذه المسألة وترتيبها على نحو مختلف مما كان قبل الثامن من سبتمبر، هو الخلط بين المطالبة بالفصل بين الحركة والحزب وبين الدعوة والسياسة، فالمسألة الأولى حاصلة وظيفيا وتنظيميا وتحتاج فقط إلى رسم الحدود بين المؤسستين وتحديد خط التماس والتمايز بينهما لتعمل كل مؤسسة بأريحية واستقلالية واضحة في حقلها ومجالها، أما المسألة الثانية، الدعوي والسياسي، فهذا لم يقل به أحد كما نادت به قيادة حركة النهضة التونسية بوضوح، وهي سقطة نحو العلمانية لإرضاء الغرب والقوى العلمانية التونسية التي تحارب التوجه الإسلامي، بل الجذور الإسلامية لهذا الحزب الذي لم يعد له، منذ انخراطه في إدارة الشأن الحكومي والبرلماني والجماعي، صلة ذات قيمة بالمرجعية الإسلامية ومشروعها السياسي والقيمي والدعوي.

إن كل مناضل في حزب العدالة والتنمية أو أي تنظيم إسلامي، حزبي أو حركي، منوط به وواجب عليه شرعا الدعوة لدين الله عقيدة وشريعة، خلقا وسلوكا في أي موقع من مواقع الواجب المهني الذي يحتله ويتواجد فيه، في البرلمان والجامعة والمستشفى والمصنع والحقل والحكومة والمجالس الجهوية والجماعية والمدرسة، كما أنه حينما يؤدي عمله الدعوي يشتغل وفق فقه وسياسة ومنهج يقتضيه الحال والمآل، والفصل بين المجالين والبعدين هو فصل تعسفي وتصور علماني ونظرة إقصائية للدين من السياسة واستئصال للسياسة من حقل الدعوة بمفهومها العام.

مستقبل الحزب يحدده قرار اليوم وليس ظروف أزمة الأمس: 

إن المطلوب اليوم من القيادة الجديدة للحزب بعد فرصة الثامن من سبتمبر التاريخية، والتي من المفترض أن يتم اختيارها من طرف أعضاء المؤتمر الاستثنائي نهاية الشهر الجاري، إن لم تقع مفاجآت الساعات الأخيرة ومناورات الغرف المغلقة، نظرا لكون بيئة الحزب الداخلية في هذه المرحلة مهيأة لمثل هذه الممارسات ولضعف ثقافة الانتقال السلس والطبيعي للصف الثاني من القيادة وضعف الحزب في إعداد قيادات بديلة مستقلة عن مدرسة بنكيران بمعالمها التقليدية، قيادة تتمتع بالخبرة والحنكة والدراية والريادة السياسة وبالإجماع داخل صفوف الحزب وطنيا وجهويا، إن المطلوب من هذه القيادة الجديدة هو استجماع قوتها والانكباب على الوضع الداخلي للحزب لإعادة ترتيب صفه وعلاقاته الداخلية بناء على تصور وقراءة جديدة لهذه المرحلة وللمرحلة القادمة، وتحصين الحزب وأبنائه ثقافة وتربية ثم رسم طبيعة العلاقة بحركة التوحيد والإصلاح وباقي روافد الحزب الإعلامية والنقابية والنسائية والجمعوية، وأيضا علاقته بالقوى السياسية ومختلف الفاعلين وبالتيارات الإسلامية المختلفة استعدادا لأول محطة سياسية قد تستدعي إجراء انتخابات مبكرة نتيجة لأحداث اجتماعية وسياسية مفاجأة مثلما وقع عام 2011.

وإذا تحلت هذه القيادة بالإرادة الحازمة وتسلحت برؤية واضحة ومحددة للمسار الجديد للحزب أمام الهيمنة التي يقودها التحالف الثلاثي برعاية ودعم من الدولة العميقة والأوليغارشية، تحالف مرشح للتصدع أمام حجم انتظارات الشارع المغربي وعدد الأزمات التي يغرق فيها المجتمع، وفي ظل حالة الارتباك والتخبط التي سيطرت على صناع الثامن من سبتمبر، وبالرغم من ضعف الحزب داخل المؤسسات المنتخبة، فإن هذه القيادة لن تهزم من قلة إذا نجحت في إيصال صوتها بصدق لأبناء الحزب والمتعاطفين معه وكتله الصلبة الذين علقوا عليه آمالا كبيرة قبل عقد من الزمن.

أما الاستمرار في ترشيح نفس الوجوه التي تنتمي لتجربة الحزب الفاشلة السابقة ولو بخطاب معارض ونبرة مصطنعة لكسب عطف أبناء الحزب، فستكون الفرصة قد ضاعت، ولن يبقى أمام المخلصين من أبناء الحزب الذين خاب ظنهم في تصحيح مساره وتحريره من الانتهازية وألاعيب السياسة سوى بناء مشروع سياسي جديد على أسس وتصور سياسي جديد، عملا بالقاعدة الفقهية، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

التغيير، تداول أفكار لا تبادل أدوار

تكون الحاجة للتغيير ليس عندما يتقدم القادة في السن، وإنما حينما يصبحون أكثر محافظة من النظام السياسي الذي يزعمون إصلاحه، ويتحولون لعائق بنيوي أمام التطوير، ويتحولون لطبقة تنظيمية تحصن مواقعها بأنظمة وقوانين ومسلكيات متحجرة، ويعملون مبكرا على إعادة إنتاج جيل من قادة الصف الثاني يأخذ مكانهم إذا دعت الضرورة لذلك أو عند الأزمات، ويضمن الاستمرارية لنفس الخط الفكري والبناء التنظيمي والمسلك السياسي الذي أقامه المؤسسون. فقد يوجد في جيل الصف الثاني من القادة من هم أكثر استعدادا للتماهي مع السلطة في كل شيء وإلى أبعد الحدود، كما وقع لحزب العدالة والتنمية عشية استحقاقات الثامن من سبتمبر عندما سلم العثماني وفريقه رقبة الحزب لخصومه السياسيين وللسلطة وساهم في النتائج الكارثية التي أجهزت على ربع قرن من عمر الحزب في المؤسسات التشريعية والجماعية وفي الحكومة لعقد من الزمن، إذ كشفوا ظهر الحزب وسلموا لهم مفاتيح خزائنه الانتخابية، فكان طبيعيا أن يخسر الحزب أزيد من ثماني مائة ألف صوت ومدن استراتيجية.

إن التداول على قيادة الحزب ظاهرة صحية للحفاظ على قوته ومشروعه وخطه وقيمه، خاصة حينما تتعرض القيادة المؤسسة لعوامل التعرية السياسية وإكراهات السلطة وضغوطات المسؤولية أو كانت قد استلمت القيادة في ظروف صعبة ووفق شروط مجحفة تطلبت منها تقديم تنازلات مست بعض ثوابتها التاريخية والفكرية وثوابت مشروعها الدعوي والسياسي. لم يبق اليوم أمام الجميع، والحزب يتهيأ لعقد مؤتمره الاستثنائي لانتخاب أمانة عام لما بعد سقوط الثامن من سبتمبر، أي فرصة لأي مناورة تنظيمية، خاصة من قبل من ورطوا الحزب في هذا الوضع الصعب، تضمن لهم صدارة وقيادة الحزب عبر أشخاصهم أو عبر صف ثان من القيادة من صنعهم وإنتاجهم، جيل جديد بعقلية قديمة وبطعم الهزيمة والانبطاح.

أمام أبناء الحزب اليوم فرصة لن تعوض، وقد ضيع الحزب فرصا كثيرة للدخول في التاريخ السياسي من الباب الواسع بجعل السلطة تقبل قواعد لعبة جديدة في بنيتها وعلاقاتها بالقوى السياسية الحية، وذلك منذ حراك 20 فبراير 2011 وواقعة “البلوكاج” عام 2016، وحراك الحسيمة عام 2017، كما سبق أن ضيعها من قبل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مع حكومة عبد الرحمن اليوسفي عام 1998 حينما كان النظام معرضا “للسكتة القلبية” عام 1996، فرصة أهداها إياه خصومه السياسيين وبعض قادته، وعلى رأسهم سعد الدين العثماني وفريقه يوم الثامن من سبتمبر 2021، لتحرير الحزب من مزالق السياسي وتصحيح المسار والتصالح مع مرجعيته الإسلامية وأبنائه وكتلته الصلبة من المتعاطفين ومع القوى السياسية والاقتراحية الحية، وأيضا تحديد معالم وأطر علاقة التعاون والعمل المشتركة مع المؤسسة الملكية مباشرة وليس عن طريق وسطاء وعرابين.

ستكون هناك مناورات آخر ساعة ودسائس الغرف المغلقة ومحاولات السلطة للتدخل في رسم مستقبل الحزب وتوجهاته القيادية والسياسية والفكرية وموقعه في الساحة وعلاقته بكل الأطراف، خاصة بحركة التوحيد والإصلاح وبجميع القوى والحركات الإسلامية. إن عالم السياسية هو حقل التوافق بين مصلحة ومصلحة أقل منها أهمية وقيمة وأولوية وليس بين مصلحة ومفسدة كما فعل الحرس القديم في الحزب خلال الولايتين الحكومتين السابقتين، خاصة ولاية سعد الدين العثماني، وإذا كان ولابد من الاختيار بين حالة الحزب خلال ولاية عبد الإله بنكيران على الحزب وعلى الحكومة، بالرغم مما حول الرجل ومواقفه واختياراته من ملاحظات ومآخذ، وبين ولاية سعد الدين العثماني على الحزب والحكومة، فإن العقل والمصلحة وفقه الوقت وفقه الراجح والمرجوح، خاصة إذا كانت هناك صعوبة الآن في اختيار قيادة جديدة من الصف الثاني بسبب الوضع المعقد داخليا وخارجيا، فإن التغيير والانتقال من حال لحال أفضل يقتضي المرور عبر مرحلة انتقالية يتولى قيادتها عبد الإله بنكيران ويكلف بإعادة بناء الحزب داخليا وفي كل مؤسساته بما يوافق المرحلة الجديدة ويساهم في تهيئة المناخ المناسب والظروف المناسبة لاستلام القيادة الجديدة زمام وإدارة الحزب بعد المؤتمر الوطني العادي.

إن عودة بنكيران لقيادة الحزب بهدف إعادة ضبط عقاربه على الزمن الحزبي لا على زمن السلطة، وتغيير بوصلته نحو كسب قلوب الناس لا رضا السلطة، وضخ دماء جديدة في مفاصله لا إعادة إنتاج نفس الخط والعقلية، والاستعداد لأول فرصة اجتماعية وسياسية متوقعة للعودة للصدارة بطرح جديد وقيادة جديدة ورؤية جديدة وروح جديدة وإعادة تحديد طبيعة العلاقة وحدود التعاون مع حركة التوحيد الإصلاح، إن هذه العودة ضرورية كالحاجة لرجل الإطفاء عندما يشب حريق في البيت أو للهبوط الاضطراري عندما يتعطل أحد محركات الطائرة، ضرورة وقتية وليست استراتيجية، لأنه مهما قيل في الرجل من جوانب إيجابية في شخصه ومواقف تحسب له في عالم السياسة حسب البعض، فإنه ينتمي لزمان سياسي وحركي مليء بالأعطاب والأخطاء والمظالم في حق الشعب والمناضلين والحركات الإسلامية ورموزها التاريخيين، كما أنه أثبت ضعفه أمام مناورات وقوة الحكم، وأثبت أيضا محدوديته المعرفية والشرعية، وتفضيله للعيش والعمل داخل الصندوق لا خارجه، كما اختار عام 2011 أن يكون جزء من تاريخ السلطة لا من مستقبل الشعب المغربي.

إن القيادة السياسية الفذة هي التي تتحسس نبض الشعب وطموحاته لا نبض السلطة وإشاراتها، وتلتزم الصرامة في خطها المرجعي وضوابطه الشرعية والسلوكية وأوامره ونواهيه، وتخوض معاركها السياسية حسب خطتها واستراتيجيتها وأهدافها وليس حسب خطة السلطة ومآربها ومناوراتها، لذلك، ومهما كانت الضرورة لدعوة بنكيران لإدارة دفة الحزب في هذه المرحلة الانتقالية، يجب أن تكون محددة في الزمان والمهام وفق آليات دقيقة وموثقة بمشاركة الفريق القيادي الجديد في الأمانة العام وباقي هيئات الحزب، وسيكون من الخطأ والمغامرة تدبير هذه المرحلة، وهي مرحلة استثنائية تكتنفها أزمة عميقة، بآليات تنظيمية عادية وإجراءات كما لو أن الحزب يختار قيادة جديدة في ظروف طبيعية. تستمد المرحلة الاستثنائية الحالية شرعيتها، وكذلك القادة الجدد الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية تغيير المسار وتصحيح اتجاه الحزب بعد الثامن من سبتمبر، من تاريخهم النضالي من جهة، ومن هذه اللحظة المفصلية التي قرروا فيها مواجهة الأخطاء القاتلة والفشل الذي وصل إليه الحزب على يد سعيد الدين العثماني ورجاله، من جهة أخرى، بعد خمس سنوات من التراجع والسقوط والهرولة.

ليس أمام أبناء الحزب اليوم، قواعد وقادة من الصف الثاني، سوى الاختيار بين بنكيران وبين فلول العثماني وخلايا السلطة، من الحرس القديم أو من صنعتهم من الجيل الثاني من القادة، الذين أوصلوا الحزب للقاع والكارثة، أو الدخول في مغامرة غير مضمونة وهي أن تتحمل القيادة الجديدة المسؤولية، بدون مرحلة انتقالية، بكل تبعاتها التنظيمية واحتمال مواجهة خصومهم الذين يرون في تعافي الحزب ونهضته من كبوته من جديد قيامة سياسية عند أول حدث اجتماعي يكتسح الشارع كما وقع قبل عقد من الزمن. هكذا هي السياسة، جعل المستحيل ممكنا وخلط الأوراق أمام الخصوم على نحو غير متوقع شريطة أن تخلص النية ويصدقها العمل والواقع. إن هذا الخيار ليس هو الأمثل في مثل هذا السياق التاريخي والظرف السياسي لكنه هو الأقل سوءا أمام خيارات أخرى قد تعصف بمستقبل الحزب وتفوت على أبنائه المخلصين الوطنيين فرصة تحرير الحزب من المزالق وتصحيح مساره.

إن بنكيران لا يملك عصا سحرية للعودة بالحزب إلى بريقه السابق وانسجام صفه وخطابه ويخرجه من أزمته البنيوية، ولا يمكن أن يحدث ثورة فكرية وتأصيلية في مشروع الحزب على أسس فقهية وشرعية جديدة، لأن هذا مخالف لطبيعته المتقلبة ولشخصيته المناورة، وإن كان ذلك من الضرورات الواجبة لتغيير وجه الحزب ومساره ووجهته، من أجل ذلك نقترح أن يكون معه وحوله قادة الجيل الثاني الذين رفعوا، ومنذ وقت سابق للثامن من سبتمبر، صوتهم عاليا للمطالبة بتصحيح مسار الحزب وإيقاف حالة الاستنزاف والتراجع التي طبعت حركته على الأقل خلال الخمس سنوات العجاف الأخيرة، سنوات حكومة العثماني وفريقه. ولكن بنكيران يملك العقلية والنفسية القادرة على مواجهة من تسببوا في إخراجه من المشهد الحكومي والحزبي عام 2016 بتواطئ سافر مع خصوم الحزب، وإزالتهم من مواقع المسؤولية التنظيمية وإبعادهم عن المسار الجديد للحزب، اليوم وغدا وإلى غير رجعة، وتمهيد الطريق لقادة الصف الثاني للانطلاق بالحزب نحو ميلاد ثان متحررا من خطيئة النشأة وبوائق الماضي وانحرافات سنوات الابتذال.

الأحزاب ليست ملحقيات للسلطة:

إن العلاقة بين حزب العدالة والتنمية، وهو مؤسسة دستورية تعنى بتمثيل الشعب في المؤسسات الدستورية عبر صناديق الاقتراع وانتخابه لها بإرادته الحرة، وبين السلطة، والمقصود هنا أعلى سلطة تنفيذية في الدولة، وهي الملكية، هي علاقة من المفروض أن تكون رضائية وليست إكراهية، مستقلة وليست تابعة، متعاونة وليست متماهية معها، ولا يمكن استمرار العلاقة مع المؤسسة الملكية، بعد حكومة عزيز أخنوش، والتي لن تعمر كثيرا لأسباب بنيوية وسياسية واجتماعية ولظروف قابلة للانفجار الاجتماعي، كأن الحزب ملحقة لها، مما يجعل مسألة تعديل الدستور ضرورة سياسية عند أول محطة اجتماعية تجعل السلطة ترضخ لمراجعة الدستور بشكل يساعد على تغيير طبيعة العلاقة بين المؤسسة الملكية وباقي المؤسسات الدستورية، الحزبية والحكومية والتشريعية والقضائية، خاصة إنهاء ازدواجية البرلمان، مجلس نواب ومجلس مستشارين، وازدواجية مجلس الوزراء ومجلس الحكومة، بحيث تصبح الصلاحيات التنفيذية المتعلقة بسياسات الدولة العمومية واستراتيجياتها تحت سلطة رئيس الحكومة المنتخب المسؤول أمام نواب الأمة فقط، فيما تحتفظ المؤسسة الملكية بدور تشريفي ورمزي تعتمد انتخاب رئيس الحكومة من قبل الشعب.

إن الحكومة تستمد شرعيتها من إرادة الشعب فقط وليس من أي جهة أخرى، وتقدم الحساب عن أعمالها أمام نوابه فيجدد لها الشرعية يوم الاقتراع العام المباشر عبر صناديق الاقتراع أو يعاقبها وينتخب غيرها من القوى السياسية، وأي وضع آخر غير هذا، هو الذي جعل العلاقة بين الأحزاب والمؤسسة الملكية غير واضحة وغير مستقيمة، لكن تكمن الإشكالية في أن المؤسسة الملكية لا تريد أن تظهر بمظهر السلطة التنفيذية المطلقة، حتى لا توصف بالشمولية وبالحاكمة فعليا فتكون مطالبة بالمساءلة والمحاسبة، من جهة، ولا تريد أن تسود ولا تحكم وأن تكتفي بوجود تشريفي ورمزي، من جهة أخرى، خوفا من التهميش من طرف القوى الحزبية، وربما الزوال في يوم ما، كما يقع اليوم في العديد من الأنظمة الملكية الدستورية، بريطانيا وإسبانيا نموذجا.

لقد هزم الحزب في المعركة السياسية يوم الثامن من سبتمبر، في الزمن الذي حدده خصومه بعناية فائقة وترتيب دقيق، ويجب على قادته الجدد ألا يسمحوا لهم بتطويقه إلى الأبد. ليس هناك شك بأن ما وقع للحزب في ذلك اليوم هو اختيار قيادته الفاشلة بمحض إرادتها، وما الحزب، كباقي جميع الأحزاب، كظواهر سياسية واجتماعية، إلا تعبير عن رجاله وقادته، ينتصر وينهض برجال وينهزم ويسقط برجال، والفرق بينهما يكمن في الروح والفكر والعقيدة والإصرار والعزيمة التي تحرك هؤلاء والذلة والخنوع والاستسلام والضعف الذي يسكن أولئك. قد تتعثر الأحزاب وتخطئ في حساباتها وتقديراتها وتخطيطها، فتعيد الكرة لتنهض من جديد ما لم تبلغ الهزيمة مداها وتضرب في عمق روح حملة الحزب وهم رجاله، ولم تصل الهزيمة لرأسمال الحزب الحقيقي وهي مرجعيته ومشروعه الإسلامي ودعوته السياسية.

وإذا كانت هذه الأصوات المعتبرة والقيادية من قادة الصف الثاني تدعوا اليوم، في إطار قراءة جريئة وتشخيص صريح ومبادرة مسؤولة لأحد أسباب نكسة الحزب يوم الثامن من سبتمبر، إلى إعادة بناء العلاقة مع المؤسسة الملكية على أساس الوضوح والتعاون والعمل المشترك لتبديد التوجس وعدم الثقة، وإنقاذ الحياة السياسة والمجتمع والنظام السياسي والدولة من “سكتة دماغية” تشل وظائفها وتنهي الحياة فيها ومن حراك أقوى وأقسى من حراك 20 فبراير يأتي على الأخضر واليابس في بضع سنين (ما بين سنتين وخمس سنوات كحد أقصى وإلا قبل ذلك)، فإنه من باب أولى أن تدعوا هذه الأصوات لتوحيد المشاريع الإسلامية وجمع شتاتها تحت لواء حزب واحد يشكل قوة لفرض الإصلاح من الخارج وضمان الاستقرار والسلم الاجتماعي لعقود، حزب يشكل مصدر ثقة وأمان ورفاهية تحت ظل دستور وقوانين ومؤسسات تعبر عن إرادة الشعب وتحمي اختياراته وتؤسس لنظام سياسي محل إجماع حقيقي يقف الجميع أمامه، بما فيه المؤسسة الملكية، على نفس المسافة، ويخضع الجميع بلا استثناء لسيادة القانون وحكمه.

 

هناك حكمة ترويها كتب التاريخ، أنه عند وقوع الأزمات واضطرابات، اقتصادية واجتماعية وسياسية، هناك نوعان من الملكيات، واحدة تضاعف عدد الأقفال على أبواب القصر، ظنا منها أنها ستحمي نفسها من نكبات الدهر ودوائر الزمان ومن انتقام الشعب والقوى السياسية، والثانية تفتح أبواب القصر لتشارك الشعب والقوى السياسية ما تملك من مال وسلطة في مثل هذه الظروف الصعبة، لتؤكد بأنها جزء من الشعب، تساهم في بناء مستقبل الدولة وازدهار المجتمع وترسيخ الثقة وقواعد الحكم الراشد بينها وبين ممثلي الأمة. لقد أصبحت الأولى في ذمة التاريخ، لأنها عاندت وكابرت وأصمت أذنها أمام عواصف التغيير وإرادة الشعب وحتمية التاريخ مثلما حصل في فرنسا ومصر والعراق وليبيا وإيطاليا وروسيا، فيما ضمنت الثانية حياة طويلة مع التطور والتكيف والتعايش مثلما حصل في بريطانيا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا والسويد.

إن الصراع لا يوجد فقط بين قوى التغيير والحكم، أي حكم كان، وإنما تكون هناك صراعات أيضا، وربما أشد، بين أجنحة الحكم وأركان دولته العميقة، صراع النفوذ والحظوة والبقاء، وقد يتسبب هذا الصراع بين أجنحته في إضعافه، بل ربما في إسقاطه، قبل أن تصل القوى السياسية لحلبة الصراع وجحافل الشعب إلى أبواب القصر الموصد بالأقفال والحراس، ساعتها لن يقبل الشعب بالحلوى، كما اعتقدت ذلك، بسذاجة فادحة، ملكة فرنسا ماري أنطوانيت، زوجة الملك لويس السادس عشر، وكانت نهايتها ونهاية الملك مأسوية، عندما بلغها أن فقراء الشعب غاضبون من فرط الجوع وتجمهروا أمام باب القصر، فقالت عبارتها المشهورة: “إذا لم يكن هناك خبزٌ للفقراء، امنحوهم كعكا!”

22 أكتوبر 2021

  الدكتور علاء الدين بنهادي

أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري

 

المصدر: الفجر نيوز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إدانة رئيس بلدية الناظور السابق بأربع سنوات حبسا نافذا

الفجر نيوز – متابعة أدان قسم جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بفاس، أمس الثلاثاء، في قضية ...