أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات وأبحاث / حوارات مغربية / “عود على بدء”.. من الجماعة إلى الطريقة

“عود على بدء”.. من الجماعة إلى الطريقة

بقلم: د. علاء الزموري*

عود على بدء، من الجماعة إلى الطريقة

“اعرفوا الرجال بالحق ولا تعرفوا الحق بالرجال”، علي بن أبي طالب رضي الله عنه

عرف الإسلام عبر تاريخه الممتد لأربعة عشر قرن ونيف مذاهب ومدارس ومسالك وطرق في الفهم والعمل والفكر والاجتهاد والتأويل والتفسير والفقه والتنزيل وأنظمة حكم متباينة ومتباعدة بين الرشد والعض والجبر، فتفرق الناس بين كل هذا، وكل يزعم أن ما هو عليه هو الحق والصراط المستقيم والفهم الصحيح للدين والمنهاج القويم، وبلغ بهم الاختلاف في الفهم والقراءة والفقه والاجتهاد ما بين الاقتتال والاحتراب وبين المناظرة والمساجلة والتعصب للرأي والاختيار. قال الحق سبحانه: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين)، سورة يوسف، الآية 118.

ولازال الاختلاف رحمة للناس ما لم يكن في الأصول، والعقيدة من أصول الدين، بل هي أصله، وما لم ينحرف بأصحابه عن الهدف من خلق الله للإنسان في هذه الأرض وعمارتها بالعدل والعلم والعمران واستخلافه فيها كما أراد سبحانه لا كما أراد الخلق تحت أي مبرر كان، لأن حرية الإنسان ليست في أن يجمع بين ما يريده هو وما يريده الله منه، ولكن بين أن يتبع ما أراد الله أو يتبع هواه وما تريده، أما الادعاء بالجمع بينهما، فهذا أمر مخالف لما أراد الله وأرسل من أجله رسلا وأنبياء ليبلغوه للناس بكل أمانة واتباع وتسليم.

فقد تفرق الناس منذ وقت بعيد حول كيفية النهوض بالأمة من كبوتها وتخلفها وتبعيتها لأداء رسالتها مرة أخرى كما فعل الأولون من الجيل الأول الفريد بإشراف وتربية وقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، جيل الصحابة الكرام والحكم الراشد، بعد أن تتالت عليها الهزائم والخيانات والنكسات والأزمات منذ سقوط الأندلس عام 1492 ثم سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، ثم فترة الاستعمار الأوروبي لجل بلدانها منذ مطلع القرن الماضي حتى منتصفه، باستثناء بعض الأقطار التي احتلت خلال القرن التاسع عشر، ثم سقوط فلسطين وقيام الكيان الصهيوني بدعم من الغرب عام 1948، تفرقوا حول الإجابة عن سؤال “التخلف” و”النهضة”.

فمن هؤلاء من رأى الحل في تحرير المرأة وتقليد الغرب واتباع نمط حياته ونظامه الفكري والسياسي والاقتصادي، ومنهم من رأى بأن الحل هو التعليم والصناعة والتقنية لإعداد جيل من العلماء والقادة، ومنهم من رأي بأن الحل هو تحرير الأوطان من الاستعمار والاستبداد وإعادة نظام الخلافة والحكم الراشد، ومنهم من رأي بأن الحل هو الجهاد ضد الغرب والأنظمة المحلية الحليفة له والكفر بالدولة الوطنية القومية وبالمشاركة السياسية، ومنهم من لازال في وضع “اللاحرب واللاسلم” ومنزلة “البرزخ السياسي، والجماعة، جماعة العدل والإحسان، من هذا الصنف، لا هم شاركوا في العمل السياسي المؤسسي، عملا بسنة التدافع والصبر على الأذى، ولا هم ناهضوا وواجهوا الحكم القائم خارج اللعبة السياسية بالأسلوب والوسيلة المناسبة لتحقيق الهدف.

لم تكن المدرسة الصوفية عبر التاريخ الإسلامي بعيدة عن حركة الإحياء الإسلامية ومخالفة لدعوتها ودولتها، بل لعبت دورا كبيرا في نصرة هذه الدعوة وهذه الدولة من موقعها ومسلكها بوقوفها مع العدل والحق ومناصرة حركة الإحياء الإسلامي لإقامة الدولة ونشر الدعوة عدلا وعلما، إلا عند بعض الطرق الصوفية المنحرفة عقيدة، الجامدة تنظيما وعملا، وكانت مبررة للحملات الاستعمارية ونصيرة لأنظمة الجبر من خلال نشر تربية الانصراف عن الواقع وتعليق آمال أبنائها بانتظار إقامة نظام الخلافة بالمعنى التاريخي ومنح الأنظمة أمانا في حكمها واستقرارا في وضعها. كل شيء يدور ثم يعود إلى أصله، وتربية الإغراق في التعلق بالآخرة والشوق لها والزهد في “الدنيا الفانية”، وكذلك بالشيخ قطب الطريقة واتباع مسلكه ومنهاجه وكأن العمل للآخرة ولوجه الله والفوز بالجنة لا يمر بالدنيا وبهذه الأرض وعمارتها وإقامة العدل فيها ومجاهدة الفاسدين والظالمين والبغاة بسلطان الدولة ونشر العلم والعدل بين العالمين، وكأن هذه الدنيا للحكام والآخرة للفقراء المستضعفين والدراويش. قال تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)، سورة الحديد، الآية 24.

إن اللحظات الصعبة هي التي تحدد هوية أي حركة تغيير ودعوة إحياء أمة، وطريقة تعاملها معها هو الأهم، وهي التي تحدد مسارها ومصيرها، وتميز بين أصحاب مشروع التغيير وأدعياء التغيير، بين من يصرف وعي الناس للاستعداد للآخرة والفوز برضا الله سبحانه وبالجنة عبر التعبد والذكر بلا ثمن يدفع في الحياة الدينا ولا مجاهدة، ويحثهم عن الزهد والصحبة وتمجيد الأموات واستحضار الغيب بلا ضوابط شرعية في فهم الواقع ومواجهة الظلمة، وبين من يتقرب إلى الله تعالى  لنيل رضاه بالعقيدة الصحيحة والعمل الصالح وعمارة الأرض استخلافا عمليا وخدمة الخلق بالعطاء والتضحية وإقامة العدل نظاما ونصرة الحق والمستضعفين فعلا والاقتصاص من الظالمين واقعا لأن الدنيا مزرعة للآخرة، ولأنها أرض عمل وكسب لا أرض كسل وتواكل ودروشة، ولأنها أرض صراع بين أئمة الحق وأئمة الباطل، ولأن الدنيا جسر أمان للعبور للآخرة بسلام.

فالأمور والقضايا المهمة في الحياة لها ثمن باهض، قال تعالى: (ألم، أحسب الناس أن يقولوا آمنوا وهم لا يفتنون)، وقال سبحانه: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)، وقال سبحانه: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما استكانوا، والله يحب الصابرين، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، والله يحب الصابرين)، سورة آل عمران، الآيات 141-146. لولا الخصوم الكبار لما وجدت معارك كبرى.

الجماعة، مشروع مريدي طرقي وليس حركيا:

إن القول بعدم مواجهة سياسات النظام الحاكم في المغرب وظلمه وفساده بدعوى إنضاج الظروف في وقت يترك الشعب مكشوفا يواجه هذه السياسات لوحده خلال العشرية الظالمة، 2011-2021، ويقاد شبابه للسجون والاعتقالات بعشرات السنين، بما فيهم مناضلون في مجالات الإعلام وحقوق الإنسان ومؤثرون في وسائل التواصل الاجتماعي ومن أهل الفكر والسياسة، هو ادعاء وقول باطل ومعبر بجلاء عن عجز بنيوي يفتقر للشجاعة والصدق مع الناس، بل سببه طبيعة الفكر والاعتقاد الذي تنتمي إليه الجماعة، وهو فكر يخالف الفكر الحركي السني واعتقاد ينافي الهدي النبوي ومنهاجه وأثر السلف الصالح والأئمة من بعدهم، وانحراف في السلوك كذلك بحيث لا يربي النشء على الاجتهاد والإبداع والحوار والعقيدة السليمة والصحيحة، وإنما يربيهم على الاتباع الأعمى، اتباع المريد للشيخ جملة وتفصيلا دون فرصة لإعمال العقل والمعرفة في الحوار والاختلاف والتمايز والتراكم والتداول بين الأجيال.

إن المريدية لا تؤسس لإعداد القادة ولكن لصناعة أتباع من المريدين، ولنا في تراثنا العلمي درس في هذا الباب، إذ كل الأئمة الأربعة الكرام، وهم بالمناسبة أسسوا مذاهب فقهية ولم يدعوا تجديد الدين كما تقول الجماعة عن مرشدها، كان لهم تلاميذ أخذوا عنهم العلم ثم خالفوهم في كثير من اجتهاداتهم ونظرهم الفقهي، الإمام مالك والإمام أحمد والإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة رضي الله عنهم، بل حتى العلماء الكبار بعدهم، مثل الإمام أبو حامد الغزالي والإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم رحمهم الله وغيرهم من القدامى والمحدثين، وما كان لهم أن يربوا تلاميذهم على الاتباع، لأن الاتباع والتسليم لا يكون إلا للنبي المعصوم عليه الصلاة والسلام وليس لغيره، إلا أن الإخوة في الجماعة يصرون في أدبياتهم ومسالكهم على اعتبار المرشد الراحل إماما مجددا واجب الاتباع، على الأقل بالنسبة لأبناء الجماعة.

لقد كشفت احتفالات الذكرى التاسعة لوفاة المرشد سعي الجماعة من خلال ممارسات مدونة لجعل المرشد مؤسسا لطريقة اتباعا لمشايخه في الطريقة البودشيشية، الشيخ أبي مدين بن المنور القادري والعباس بن المختار وحمز بن العباس، وهو ما لوحظ في الكلمات التي ألقيت بهذه المناسبة من قبل أهل بيته، والصور التي نشرت للمرشد واختيرت بعناية على نفس هيئة مشايخه من هندام وإنارة لإبراز حالة صوفية ومسحة ربانية لا يرقى إليها إلا العارفون والربانيون والزهاد من أهل الصوفية الطرقية المريدية على قولهم، وهو ما نجد له أصل في بعض المعتقدات من رهبانية وصوفية بلغت ببعض رجالاتها حد الطهرانية والانعزال عن الخلق في المركز والمكانة، وهذا انحراف عن عقيدة التوحيد والفكر الحركي الدعوي السني وتخلف عن منهج رسول الله صلى الله عليه نبيا وقائدا عسكريا وأبا وزعيما سياسيا ورئيس دولة وإنسانا.

ما لم تدركه الجماعة بعد هو أن الواقع قد تطور، وبسرعة، أكثر من تطورها، بل أكثر من تراجعها لأن المراوحة بقياس علم الاجتماع السياسي هي تراجع أمام حركة طبيعة ودرجة الظواهر وحركة المجتمع والنظام السياسي. لقد عادت الجماعة إلى أصل نشأة مرشدها السلوكية والصوفية المريدية التي ترى في الحياة الدنيا مفسدة للنفس والطبع وشراك يجب التحرر والتبرم منه طلبا للآخرة مسلكا وغاية بالمعنى الخلاص الفردي، عادت تحت قيادة أمينها الحالي وزمرة أتباع المرشد لتؤسس “طريقة ياسينية” على غرار الطرق البودشيشية والقادرية والرفاعية والقاديانية والنقشبندية، لذلك توقف تطور الجماعة كمشروع تغيير، على الأقل حسب ما أعلنته منذ سنوات، مع رحيل مرشدها، لتحول ذكراه السنوية إلى موسم حول شخصية شيخ الطريقة ومؤلفاته وسيرته وفتوحاته الربانية وإمامته وتجديده لإسلام الطرقية الزاهدة في مرحلة “الزحف” لتغير مسارها نحو التزكية العرفانية تنظيما وتربية فقط.

“وجدت أن الحق مع الصوفية…وأذكر نعمة الله عليَّ في الملإ لأنه وهبني بعد وفاة شيخي منذ ثلاث سنوات ما يقصده المريدون من الصحبة”، هكذا كتب المرشد عبد السلام ياسين، والمتأمل لمسيرة بناء الجماعة يلاحظ أن أبرز الأسس التي أولاها عنايته، وجعلها موضع اهتماماته الصوفية، ترسيخ معاني السلوك والترقي في مدارج الإسلام والإيمان والإحسان، تقرباً دائماً إلى الله بجميع الأقوال والأعمال، توجيه أبناء الجماعة إلى الجمع بين طلب وجه الله والاستعداد للدار الآخرة، وبين العمل لعزة الأمة بإخراجها من مراحل الملك العاض والجبري إلى مرحلة الخلافة على منهاج النبوة، والعناية بتربية المؤمنات على معاني طلب الكمال الإيماني والعلمي والخلقي، وعلى تعزيز صف الدعوة المجاهدة بتحصين الفطرة ورعاية الأسرة وتقاسم أعباء الجهاد الشامل مع المؤمنين. لقد وصف لهم كيفية الاستعداد للآخرة، ولكن لم يترك لهم كيفية إخراج الأمة من الذل والظلم إلى العزة والعدل وتغيير الواقع السياسي.

كل هذا مطلوب لإعداد القادة من رجال التغيير، ولكن يظهر خطاب الجماعة اليوم، بعد رحيل مرشدها، تحولا جذريا بحيث أصبح المراد من هذا الزاد التربوي والإيماني ليس من أجل مواجهة دولة الظلم والفساد، ولكن من أجل الاستعداد للقاء الله، كأن نصرة المظلوم وقهر الظالم وإقامة دولة العدل والمواطنة والكرامة ليست تعبدا وتقربا إلى الله. هل لازال هذا التوجيه التربوي هو حال الجماعة بعد رحيل مرشدها؟ لقد وجدت الجماعة الجواب على هذا السؤال في الهروب نحو التحول لطريقة تدور وجودا وعدما حول مؤسسها ومرشدها لأن ذلك يعفيها من الجواب عن سؤال الموقف الشرعي من النظام ويرفع عنها حرج التخلف عن نصرة الشعب في مصائبه ومواجهاته لسياسات النظام.

إن فشل الجماعة في إصلاح النظام، بعد نصف قرن من المحاولات، رغم أن الله قالها سبحانه صريحة في محكم التنزيل، (إن الله لا يصلح عمل المفسدين)، سورة يونس، الآية 80، وعجزها في اتخاذ مسلك تغييري حركي بمفردها، أضحت اليوم تتوجه نحو اتجاهين، الأول تحويل الجماعة إلى طريقة كما كان حال مؤسسها ومرشدها في البدء، لتصبح “طريقة ياسينية” على منوال الطريق الكتانية والقادرية والبودشيشية والنقشبندية والرفاعية والسنوسية، والثاني مراودة يسار الشتات، أفرادا لا تنظيمات، وجمعهم حول موائد ذكرى وفاة المرشد لتصبح هذه المناسبة محفلا علميا وفكريا لتدارس سيرة المرشد ومؤلفاته، بغرض مناكفة النظام والضغط عليه بيسار للأسف روضه النظام وانتهت صلاحيته.

الجماعة والقراءة الصوفية الانتقائية للتاريخ الإسلامي:

لا شك أن للمؤمن العامل في حقل الدعوة وإحياء حركة الإسلام حاجة للتربية الإيمانية والمعية الإلهية والتوفيق الرباني ومجاهدة النفس ذكرا وقياما وعملا حسنا وتقوى وصلاة لينال رضا الله عنه وقبول عمله في الملأ الأعلى وتسديده في أرض الاستخلاف والعمران دينا وحضارة وعمرانا وإقامة حكم الإسلام عقيدة وشريعة، حقا وعدلا، ولكن حالة الجماعة في هذا الباب جنحت لطريق غلب عليه الغلو في جعل المرشد هو مركز الجماعة وجودا وعدما، ولم تستطع حتى الآن، بعد مرور تسع سنوات على رحيله، أن تنتقل من صحبة المرشد إلى صحبة الدعوة ومن التحرر من شخصيته المهيمنة على مقاليد الجماعة، أولا لأن الجماعة لم تنجح في إعداد قيادة تجمع بين ثقافة التربية الخالصة لله وثقافة الزحف المقتحمة للعقبة لإحقاق الحق في واقع الناس. ومن بين هذه الانحرافات منهج الجماعة في قراءة الأحداث التاريخية الإسلامية الكبرى قراءة صوفية جعلت تاريخ الإسلام السياسي وقادته من المدرسة الصوفية أمثال الملك الصالح “سيدي” صلاح الدين الأيوبي، بتعبير أحد قادة الجماعة، وانتصاراته في الحروب الصليبية، واختزلت حياة الإمام “سيدي” أبو حامد الغزالي وإنتاجه العلمي في التصوف، وأعطت لشخصيات مثل عبد القادر الجيلاني وأحمد الرفاعي وغيرهما أدوارا مفصلية في تاريخنا السياسي.

كما سلطت على العديد من المذاهب الطرقية صبغة مبالغ فيها من ناحية رفعهم للواء الصوفية، ولكن أغفلت دعوتهم للجهاد في مواجهة الاستعمار البريطاني والفرنسي، وهذا تفسير اختزالي مغرض لسيرة هؤلاء الرجال أمثال الإمام غازي محمد الغيمراوي الداغستاني الذي حارب الروس في القوقاز والعالم عبد العزيز الدهلوي والأمير المجاهد نواب ميرخان اللذان خاضا حربا دامية ضد الإنجليز، فلماذا لم تسلك الجماعة مسلكهم في مواجهة الظلم والباطل واكتفت فقط بسيرتهم الصوفية، بل إنها في تأثرها ومسارها أخذت عن المذاهب الطرقية مثل النقشبندية والبودشيشية القادرية التي تأسست على مسالك وسلوكيات منحرفة تقدس شيخ الطريقة وتقيم حوله طقوسا لا تنضبط للشرع كتابا وسنة باعتراف مرشد الجماعة بنفسه بعد مغادرة شيخه لوضع اللبنات الأولى لمشروع تنظيم إسلامي في ظرف كانت الحركة الإسلامية الأم وشيخها عبد الكريم مطيع ورفاق دربه يتعرضون لأحكام بالإعدام والتنكيل والقمع غداة عملية اغتيال القيادي اليساري عمر بن جلون سنة 1975.

منهاج الجماعة، تربية وتنظيم بلا زحف:

ليس غريبا ما ذهبت إليه الجماعة في توظيف مصطلح “الاقتحام” في كتاب المرشد، “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا”، 1982، وهو منهج سلكه جماعة من الطرقيين والمريديين من المتصوفة الزائغة، بتوجيه مريديها نحو مفهوم اقتحام عقبة الدنيا والنفس عبر التزكية ومعرفة الله تعالى والسير في الطريق نحو الآخرة والفوز بالرضا الإلهي وجنانه، وهذا تضييق، بل انحراف لا ينضبط لشرع ولا يستقيم أمام مقاصد الإسلام، بل هي تربية وتوجيه يصرف الناس عن اقتحام العقبة الحقيقية والواجب الشرعي الحقيقي الذي كلف به المؤمنون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، كما وصفها الله تعالى في محكم التنزيل، حيث قال: (فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة، فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة، ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، أولئك أصحاب الميمنة)، سورة البلد، الآية 18.

هذا هو سبيل الله ومنهج الله للمؤمن ليفوز بالميمنة، فك رقاب الناس من العبودية والظلم والجهل والشرك والفقر، وإطعام المحتاجين والمساكين والمعوزين وانتزاع حقوقهم بالقوة ممن سرق ثروتهم وخيرات بلادهم من الطبقة الفاسدة والظالمة لحقوق الناس، ونصرة اليتيم، يتم الوالدين أو يتم القادة وأولي الأمر من أهل التقوى والإيمان والورع والحق، يتيم بلا حاكم عادل ورؤوف به، كما أخبر سبحانه بأن هذا السبيل يتطلب الصبر لأنها عقبة كؤود ومسلك صعب بشدائده وفتنه ومخاطره وظلم الحاكم، وشدد على التراحم بين المؤمنين وأهل دعوة الحق والبأس في الحق تآزرا وتضامنا وتعاضدا كالبنيان المرصوص والركن الشديد حتى يستطيعوا مواجهة التحديات والصعاب.

هذا هو الاقتحام الحقيقي، ولا يعني ذلك عدم الاهتمام باقتحام النفس وتربيتها على الصبر والمرحمة وعلى التوكل على الله وعبادته بعقيدة سليمة وصحيحة لا تلغي دنيا الناس وعالم الخلق بدعوى الزهد فيها وتربية النفس على مسالك التصوف المغشوش والعقيدة العقيمة التواكلية المهزومة، بل نؤكد على ضرورة تربية النفس وتوطينها على اقتحام العقبتين، عقبة الذات ونوازعها ورغباتها وعقبة الواقع السياسي والاجتماعي، بفهم متوازن مستقيم ووفق منهج شرعي مضبوط ووعي منضبط ومرتبط بعالم اليقظة لا بعالم الأحلام.

لقد قدمت الجماعة لأتباعها منهاجا لتغيير وجهة حياتهم وتوجيهها نحو خالقها في مسالك التزكية والعرفان والإحسان، ولكن لم تقدم لهم ولغيرهم جوابا ولا منهاجا لتغيير الواقع السياسي لينتظم هو الآخر وينضبط لشرع الله حقا وعدلا بالرغم من حديث قادتها عن تغيير المنكر السياسي ووصف الحكم بالظلم والجبروت والفساد، إلا أن كتابات وتصريحات ورسائل مرشدها، “الإسلام والطوفان” و”إلى من يهمه الأمر”، على سبيل المثال، كانت دعوة لإصلاح وتوبة الحاكم لا لتغيير الحكم، وإلا ما كان ليخاطب المرشد الملك الراحل الحسن الثاني بـ “حبيبي”.

الجماعة والنظام السياسي، تقاطع موضوعي:

لا يكفي أن تعلن صباح مساء أنها جماعة معارضة للنظام السياسي بأنها كذلك استراتيجيا  ومفاصلة، لأن تنظيما بلغ كهولته، وودع مؤسسه ومرشده منذ قرابة العقد وبلغ أشده عددا، لم ينتقل بعد لمرحلة الزحف، بل قرر أن يعمر عقودا في مرحلتي التنظيم والتربية، وبدل أن ينتقل للمرحلة الأخيرة في مشروعه، وهي الزحف نحو التغيير، تحول، خاصة كما بدى ذلك جليا في احتفالات الذكرى التاسعة لرحيل مرشدها قبل أيام، إلى زحف نحو المنهج الطرقي والتأسيس لـ “طريقة ياسينية” بكل أدبياتها وأوصافها وطقوسها والسير في اتجاه الآخرة عرفانا ومسلكا حتى وإن كان خطاب بعض قادة الجماعة تتخلله مفردات التحليل السياسي ومناكفة النظام السياسي تشخيصا وتوصيفا لا مواجهة ومقارعة وزحفا حقيقيا.

لقد أدرك النظام بسرعة بعد مقتل الزعيم النقابي اليساري عمر بن جلون جسديا واغتيال الشيخ عبد الكريم مطيع سياسيا،  مؤسس العمل الإسلامي بالمغرب عام 1969، وقائد حركة الشبيبة الإسلامية، أدرك بأن هناك فراغا أوجده بيده في الساحة الحزبية السياسية والحركية الإسلامية يجب ملؤه قبل أن يتحول الشباب إلى قنبلة تنفجر في وجهه وتضيع عليه عوائد تغييب شخصيتين من عيار بنجلون ومطيع، عصيتان على الإخضاع والإدماج في النسق المخزني كما حصل مع العديد من الشخصيات الوطنية من جميع ألوان الطيف السياسي، فبرز فجأة شخصيتان، الأولى عبد السلام ياسين قادما من الطريقة البودشيشية مريدا بين يدي شيخه العباس بن المختار وعدد من أقطاب هذه الطريقة المنحرفة عن منهج السنة القويم والشرعي، بشهادة المرشد، ليتوجه نحو تأسيس الجماعة في ظرف سياسي دقيق ومشحون كان فيه أبناء الشبيبة الإسلامية مشتتين وضائعين وقلقين بعد أحداث 18 ديسمبر 1975، اغتيال القيادي اليساري بنجلون، وفي غياب زعيمهم، الشيخ مطيع، الذي علم بجريمة اغتيال بنجلون وهو ضيف على فعاليات الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض بالسعودية حيث غادر المغرب أربعة أيام قبل الاغتيال، أما الشخصية الثانية التي تصدرت المشهد فجأة وجيء بها من مخافر الأجهزة برئاسة الضابط محمد الخلطي، فهو عبد الإله بنكيران، والذي لم يكن يوما، بالمناسبة،  عضوا منتظما في صفوف حركة الشبيبة الإسلامية.

تحضرني دائما أسئلة حول سيرة مرشد الجماعة عبد السلام ياسين، منها: لماذا لم ينضم لحركة المقاومة وجيش التحرير وقد التحق بهما أقرانه من نفس جيله، بل شارك فيها من ولدوا بعده بسنوات وساهموا في تأسيس حزب الاستقلال؟ لماذا لم يستجب لدعوة الانضمام للحركة الوطنية مطلع خمسينيات القرن الماضي بالدار البيضاء وقد دعاه أحد رجالاتها؟ لماذا لم ينضم للعمل الحركي ضد الاستعمار وقد كان شيخه المختار السوسي رمزا من رموزه؟ ما هو السبب الحقيقي وراء خروج مرشد الجماعة من الطريقة البودشيشية، ليبدأ بعد ذلك في وضع اللبنات الأولى لأسرة الجماعة في ظرف دقيق ستبتلى فيه الحركة الإسلامية الأم، الشبيبة الإسلامية ومؤسسها وشيخها عبد الكريم مطيع ورفاق دربه ابتلاء شديدا، بسبب محنة اغتيال النقابي والقيادي اليساري عمر بن جلون، ويواجهون شراسة وقمع النظام؟ لماذا أرسل رسالة “الإسلام أو الطوفان”، عام 1974، للملك الحسن الثاني، واصفا إياه بـ “حبيبي”، في الوقت الذي كانت الشبيبة الإسلامية والاتحاد الوطني للقوات الشعبية وقياداتهما تمران بأحلك وأقسى الظروف الأمنية والسياسية والمحاكمات الجائرة، علما بأن مصدرا أكد بأن شيخ الشبيبة عبد الكريم مطيع كان وراء تدخل شخصية خليجية رفيعة طلبت من الملك الحسن الثاني رفع الإقامة الجبرية عن الشيخ عبد السلام ياسين؟

ولماذا وافق المرشد على دعوة الشيح عبد الكريم مطيع في لقاء بمراكش عام 1973، بحضور الشاعر أحمد الشرقاوي إقبال والشيخ إبراهيم كمال، للانضمام لحركة الشبيبة الإسلامية، عقب خروجه من الطريقة البودشيشية، ثم فوجئوا برسالة “الإسلام أو الطوفان” بعد ذلك ينصح فيها الملك الحسن الثاني ويدعوه للتوبة، ثم أول ما وقعت محنة بنجلون، وقد غادر الشيخ مطيع المغرب قبل الاغتيال بأيام قليلة، تحرك المرشد لاستقطاب أبناء الشبيبة وانتقاد قيادتها، بمدينتي الدار البيضاء وفاس خاصة، ودعوتهم للانضمام لتنظيمه الجديد بدل تقديم موقف شرعي داعم للشبيبة في ابتلائها ومحنتها؟ هل يرى المرشد أن مشروع الجماعة السياسي هو بديل عن النظام السياسي القائم أم أنها مشروع إصلاحه عبر ما يسميه بـ “التوبة الجماعية” كما حصل مع الملك/الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه؟ لماذا انسحبت الجماعة من حراك حركة 20  فبراير عام 2011، في وقت كان النظام في مأزق في سياق الثورات العربية والضغوط الشعبية المحلية والإقليمية؟ لماذا لم تتخذ الجماعة موقفا واضحا وطلائعيا في حراك الريف عام 2017 وتركت الشباب في مواجهة آلة النظام الجهنمية وعشرات السنين في السجون؟

لماذا لا تخرج الجماعة مسيراتها المليونية سوى في الجنائز أو القضايا الإسلامية، فلسطين والعراق وغيرها، فيما لم نشهد أي إنزال مليوني وحشد جماهيري عندما يتعرض عموم المغاربة لقمع النظام في الحسيمة وسيدي إيفني وجرادة وطنجة واحتجاجات المعطلين والأطباء والممرضين والمحامين ومحاكمات المناضلين الصحفيين والحقوقيين والمؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي؟

وعليه، فالجماعة ليست حركة تغيير وإنما هي دعوة إصلاحية مندمجة في النسق العام تراهن على إرادة الملكية في التوبة والإصلاح، وقد حاول المرشد خلال رسائله الموجهة للملكين الحسن الثاني ومحمد السادس بدون جدوى، “الإسلام والطوفان”، عام 1974، و”رسالة للملك”، عام 1976، و”إلى من يهمه الأمر”، عام 1999، وبقيت حبرا على ورق، لأنه كان للطرفان استراتيجيتان متباينتان، الملكية كانت تراهن على وفاة المرشد ووقوع إما انشقاق داخل الجماعة أو تحول في دعوتها من الإصلاحية إلى الاندماجية في منظومة المخزن، فيما كانت الجماعة تراهن، هي الأخرى، على وفاة الحسن الثاني بعد أن يئست من إمكانية إصلاح النظام تحت حكمه، ووصول الملك الشاب، بوصف المرشد، للحكم ويعمل على إصلاح ما أفسده والده، وكانت الإشارات المشجعة من قبل النظام هي إعفاء وزير الداخلية إدريس البصري ورفع الإقامة الجبرية عن المرشد وعودة أبراهام السرفاتي وإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، لكن تأكد فيما بعد بأن تقدير الجماعة للموقف، مثل باقي القوى السياسية التقليدية، كان غير دقيق وبعيد عن حقيقة وطبيعة الحكم.

منهاج الجماعة، حوار مع اليسار وقطيعة مع منتقديها ومع الإسلاميين:

المثابرة هي الجهد المستمر والصادق والكد والألم لتحقيق ما تسعى إليه أي حركة تغيير حقيقية، وإن أي سياسي يناضل من أجل قضيته لا بد أن يجد معارضة واحتجاج الكثيرين ورفضهم وضغينتهم وحسدهم أمامه، وهذا لا يغير من صدقية القضية ولا من عدالتها مهما أوتي هؤلاء الكثيرون، نخب أو طبقة حاكمة أو نظام حكم، من قوة وجبروت، لأن القضايا العادلة هي ما تذكر كتب التاريخ وذاكرة الشعوب عبر الأجيال، أما من حاربوها وضايقوها وضيقوا عليها وحاصروها، وربما من التزموا الصمت، فكل هؤلاء لا يذكرون إلا لماما أو يكادون في صفحات كتب التاريخ.

لا تشكل مغازلة الجماعة لأشخاص من يسار الشتات بالنسبة للنظام، وطرح مشروع تحالف معه أدنى قلق لأسباب عديدة، أولها هو أن هذه الشخصيات اليسارية جلها في قبضة النظام بطريقة أو أخرى، محاكمات وملفات ومضايقات وإغراءات، ثم أنها لا تمثل أي قوة تنظيمية أو إيديولوجية مهددة للسطلة ولا تعكس أي قوة تذكر في المجتمع أو في مؤسسات الدولة المنتخبة، ثانيها أن الجماعة نفسها تشهد تحولا في مسار مشروعها بحيث تتحول من جماعة إلى طريقة أو، في أوسع نطاق، خليط بين الطرقية والجماعة، بين خطاب مريدي صوفي وخطاب حركي سياسي حينما تشارك اليسار في منتدياتها ومناسباتها، ثالثها أن الجماعات ليست على قلب رجل واحد، إذ يراود بعض رجالاتها، كما وقع في البداية مع حزب العدالة والتنمية، فكرة المشاركة في اللعبة السياسية في بعدها الانتخابي تحتاج فقط لبعض التنازلات بين هذا الجناح والنظام.

لقد شهدت الساحة السياسية مبادرة جادة عام 1974 بين الشيخ عبد الكريم مطيع، عن الشبيبة الإسلامية، وبين القيادي اليساري عمر بن جلون ، عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وذلك بهدف فتح حوار إسلامي يساري على صفحات جريدة “المحرر”، خاصة وأن بن جلون ومطيع عملا من قبل داخل حزب الاستقلال ثم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وفي القطاع النقابي، بعد الانشقاق عن حزب الاستقلال عام 1959، وكانت مبادرة من شأنها أن تربك حسابات النظام، إلا أن اغتيال بن جلون يوم 18 ديسمبر 1975  أجهضت هذا المشروع وقضت على زعيمين عصيين على النظام، بن جلون اليساري ومطيع الإسلامي، وهما في مقتبل العمر، في مطلع الأربعينات، وكانا يمثلان مشروعان سياسيان وطنيان وعقليتان تنظيميتان ووحدويتان لم يجد النظام حلا معهما سوى التصفية الجسدية والسياسية، ليفتح المجال لـ “زعماء” بدلاء شغل بهم الفراغ واشتغل بهم خلال العقود اللاحقة وضمن بهم السلم الاجتماعي والاستقرار الأمني والسياسي، عبد السلام ياسين وعبد الإله بنكيران وعبد الرحيم بوعبيد، كل أدى دوره بشكل ذاتي أو موضوعي.

إن المتتبع لمسيرة هذه الجماعة على مدى أكثر من أربعة عقود وعلاقة أبنائها ببعضها البعض، قادة وقواعد، يقف عند ملاحظات تتصل مباشرة بالفجوة بين خطابها وممارساتها، فهي تنظيم حديدي ومركزي يفتقر للمرونة والتعدد والتنوع، ويحصر القيادة فيما يسمى بـ “الشخصيات التاريخية” التي لها شرعية “الصحبة” بصرف النظر عن رصيدها الفكري والمعرفي والفقهي والعلمي، ومثل هذا النوع من التنظيم يصبح معه المشروع عبر الوقت، إن وجد أصلا، حبيسا ومحاصرا، لما أصبح يمثله التنظيم من امتيازات ومصالح وصراعات حولها. ومركزية التنظيم تأتي من مركزية القطب الأوحد الذي تدور الجماعة حوله وجودا وعدما، وهو المرشد، حيا أو ميتا كما يجري التسويق له اليوم داخل صفوف الجماعة أكثر من أي وقت مَضى، وهو ما جعل النظام يراهن في الماضي على وفاة المرشد لإضعاف الجماعة واختراقها والنيل منها استيعابا أو استبعادا أو تقويضا كما فعل مع فصيل إسلامي آخر، شتات الشبيبة الإسلامية، الحركة الأم، وبعض الدخلاء، وهو حزب العدالة والتنمية.

ومن آفات القطب الأحادي والتنظيم الحديدي الذي يؤسس على شخص واحد استشراء ثقافة فكر الأحادية الذي يلغي الآخر ويسفه رأيه، بل قد يتهمه في وفائه وصحبته، وهو ما حصل مع الكثير من رجالات الجماعة من إقالة وإبعاد بدعوى الخروج عن طاعة “الولي” المرشد والقطب العارف وعن الإجماع، وكان أولهم محمد بشيري، أحد قدامى الجماعة والشخصية الثانية في التنظيم، سلفي العقيدة مناهض للتوجه الطرقي المنحرف عن عقيدة التوحيد ولبعض المسائل ذات الصلة بطبيعة التنظيم وتوجهات المرشد الصوفية المريدية والعمل النسائي بقيادة كريمته، والذي وصف إقالته من قبل المرشد بـ “الطعنة الغادرة النكراء”. شخصية أخرى تعرضت لنفس القرار والمصير، وكانت المسؤولة عن القطاع الإعلامي بالجماعة وكاتبا للسيرة الذاتية للمرشد وقريبة منه، محمد العربي أبو حزم، كتاب جر عليه حملة مسعورة كلها تسفيه وشيطنة وتشكيك، لأن الرجل وضع أصبعه في “جرح” الجماعة العميق، وهو خلافة المرشد وتوجه الجماعة بعد رحيله عقيدة وسياسيا وتنظيميا.

كيف لجماعة يضيق صدرها لاختلاف بعض أبنائها مع توجهاتها ولأبناء الحركة الإسلامية عموما، خاصة تنكرها لفضل الحركة الإسلامية الأم، الشبيبة، ولقادتها، في المحنة التي تعرضت لها منتصف سبعينيات القرن الماضي، اغتيال القيادي السياسي والنقابي اليساري عمر بن جلون، واستغلال ذلك الظرف العصيب استغلالا لا يليق بالواجب الشرعي والأخلاقي الذي يجب أن يكون عليه المؤمن، كيف لها أمام تبرمها عن المسلمين أن تخطب ود يسار ذاقت منه الحركة الإسلامية والإسلام عموما أشد الأذى وأقبح الحملات، وبشهادة المرشد نفسه في رسالة “الإسلام أو الطوفان” وكتابات أخرى، وتدعوه اليوم لميثاق وطني وتفتح له مقراتها ومناسباتها في وقت لم يعد لهذا اليسار قيمة سياسية ولا أخلاقية ولا فكرية ولا وزنا اجتماعيا أو ثقلا في معادلة الصراع ومشروع التغيير؟

إن مثل الجماعة كمثل شخص يريد أن يتناول وجبة دسمة وغنية ويعيش حياة كريمة وجيدة دون أن يدفع الثمن ويبذل من أجل ذلك أغلى ما يملك، وبدل أن يعتمد على إمكاناته الذاتية وجهوده الشخصية لتحقيق هذا الهدف وبلوغ هذه المنى، يدعو أطرافا أخرى لتتعاون معه وتشاركها في إنجاز هذا العمل وتتقاسم العوائد معه بدعوى الشراكة في الوطن وفي الهدف وبأن المسألة لا تخص الجماعة لوحدها أو أي تنظيم سياسي وحزبي، بل إن الجماعة تدعو النظام للتعبير عن إرادته في الإصلاح والقطيعة مع الوضع الراهن والمشاركة في بناء مغرب يسع الجميع. إن أقل ما يمكن وصف هذه العقلية به، عبر استقراء لتاريخ الملكية السياسي وطبيعتها وعلاقتها بالسلطة والمال وكيف استولت عليهما، هو أنها عقلية سطحية وساذجة، عقلية جماعة لها نية في الإصلاح، كما تعبر عن ذلك في أدبياتها، ولكن لا تريد، بل لا تقدر على تحمل المسؤولية والكلفة السياسية والذاتية لتحقيق ذلك، جماعة تفضل أن تستمر في دعوتها الانتظارية في الزمن المطلق والدوران حول حياة مرشدها وفكره وشخصه وطريقته، لأنه هذا هو الخيار الأوحد للبقاء ولجعل أتباعه ومريديه يلتفون حولها.

بيان الفرق بين جماعة طرقية والحركة الإسلامية:

لا تكون الحركة الإسلامية كذلك إلا إذا عملت على إقناع الشعب بدفاعها عن مصالحه ودينه ووطنه، وبأنها مستعدة للتضحية بكل شيء من أجل هذا الهدف ومواجهة النظام لمنعه من الاستمرار في ظلم وتفقير وقمع الشعب وانتهاك حقوقه الأساسية. لا شك أن هذه الحركة ستتعرض لردود عنيفة من النظام من كل نوع، أمنية وقضائية وإعلامية واجتماعية، لذلك عليها أن تظهر بدورها الوطني والديني في الدفاع عن الشعب أمام تغول النظام، ولأن ميزان القوة ليس لصالح الحركة، على الأقل من ناحية القوة والإمكانات والتحالفات الوطنية والدولية، ولأن الانتصار والهزيمة لا يرتبطان بالضرورة بهذا المعطى المادي، بل بعوامل أخرى هي من صميم العقيدة والنفسية والاستعداد الروحي والبدني، وعلى رأسها النصر والتمكين الإلهي لها، ثم تعاطف الناس معها لأنها هي الطرف الأضعف في الصراع من جهة، ولأنها كذلك، ستكون عنوان مقاومة الظلم والفساد لصالح الشعب من جهة أخرى.

إن حركة التغيير هي حركة مقاومة للظلم والفساد، وعليها أن تعمل من أجل أن تصبح، على الأقل في عين ووجدان الشعب وآماله، رمزا للحرية والانعتاق والكرامة، لذلك عليها أن تقدم عربونا من أجل ذلك وتضحي من أجل ذلك، هذا ما يمكن أن يغير ميزان القوة بينها وبين النظام وليس أن تناوره داخل صندوق هو من وضع أعمدته وحدد زواياه وقواعده، حتى وإن كانت لا تشارك في اللعبة الانتخابية والمؤسسية. قال الحق سبحانه: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)، سورة آل عمران، الآية 91، وأكثر ما يحب الإنسان نفسه التي بين جنبيه وماله ووقته وحريته وحياته. هكذا فقط يمكن لحركة التغير أن تضمن كسب الشعب إلى جانبها وتنال تعاطفه وحمايته لها ولمشروع التغيير والمقاومة لأنه تأكد من تمثل أحلامه وآماله وطموحاته في عمل وسلوك ونضال هذه الحركة، فأصبح الشعب هو حاضنتها ورأس حربتها في الزحف نحو التغيير ومرحلة الصفر. حينئذ سيرد الشعب على حركة المقاومة التغييرية بشعار “إنك لن تسيري لوحدك”، وسيتقدم الصف في الطليعة ويكسر حاجز الخوف والتردد.

ما يجب أن تعلمه حركة التغيير هو كل شيء له عواقب مهما كان شأنه أو حجمه أو درجته، لذلك عليها أن تعمل من أجل تحقيق مشروعها الوطني بتغيير المنكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي والاستراتيجي الذي عطل دور الدولة المغربية لقرون. بل حتى التقاعس أو الخيانة والمراوحة والتضليل والدعة لها عواقب بالنسبة للحركات التي اختارت مداعبة النظام والتماهي معه ومجاراته في نزواته وسقاطته وظلمه وفساده، ستتحمل عواقب ذلك، فلا غرابة أن تتحمل حركة التغيير والإحياء الديني عواقب عن مبادئها وقيمها ودعوتها الحقة لأنها الحياة الحقيقية، حياة الحق والعدل والكرامة التي تأخذ غلابا، تنتزع ولا تمنح، تلك سنة الله في خلقة، سنة التدافع بين الحق والباطل، والعدل والظلم، والإصلاح والإفساد، خطان لا يلتقيان أبدا إلا حينما يتصارعان ويتلاحمان عند نقطة الصفر.

حينما ستقدم حركة التغيير صورة حقيقية عن معنى مقاومة الظلم والفساد من أجل نصرة الشعب والتضحية من أجله، ستنتقل روح المقاومة من الحركة إلى الشعب وستصبح المقاومة حركة شعب بأكمله وتملأ الشوارع والمدن والقرى والحارات والميادين، وقتها سيجد النظام نفسه أمام وعي جديد وإنسان مغربي جديد وروح جديدة تقاوم ليس من أجل الخبز والشغل والصحة والسكن اللائق والتعليم، وكلها مطالب مشروعة للحياة السليمة والمواطنة العادلة، ولكن من أجل إسقاط الفساد والاستبداد وإقامة نظام عادل وحر كريم، من أجل إعادة بناء دولة الحق والقانون، دولة المواطن.

لا يمكن لحركة التغيير أن تنال التفاف الشعب حولها، أو على الأقل الأكثر تضررا من النظام وفساده وظلمه، حتى تصبح نموذجا للأخلاق النضالية الوطنية والدينية، وحتى تعكس مشاعر وطموحات وانتماءات الشعب في عملها وسلوكها ومواقفها، حتى يصبح الإيمان بقضية التغيير ودعوة إحياء الرسالة العادلة الراشدة هو التعاقد بينها وبين الشعب وتصبح بديلا واقعيا وحقيقيا وأوحدا في وجدان الشعب عن واقع النظام الظالم المرير، حتى يصبح قادة حركة التغيير هم الأمل الوحيد أمام الشعب للانعتاق من ربق الظلم والقهر والهوان، هم الإيمان نفسه بأن لله في خلقه شؤون وفي أرضه رجال لم يبدلوا ولم يغيروا ووطنوا أنفسهم على التضحية والتفاني والعطاء من أجل القضية، قضية الحق والعدل وعمارة البلاد بهما ونصرة المظلومين من عموم الناس وتحريرهم من سلطة الخوف واستراتيجية التفاهة التي أغرقهم فيها النظام لتزييف وعيهم وإشغالهم عن المطالب الحقيقية لكل إنسان حر وكريم، ليصبحوا حقيقة أهلا للمواطنة الحقة والإنسانية السامية التي استخلفها الله وكرمها وكلفها من أجل توحيده في العبودية والربوبية وإقامة العدل بين الناس، كل الناس في مشارق الأرض ومغاربها وليس فقط في المغرب أو في البلاد العربية والإسلامية.

هذا هو مفهوم دولة الإنسان وإسلام الإنسان، وهذا هو المفهوم الحقيقي للإيمان في التغيير لا يتأثر بالحالة الراهنة ولا بتفوق النظام في مرحلة ما ولا بقلة كتلة التغيير ولا بإمكانات وإمكانية التغيير، وإنما الأهم من ذلك هي فكرة ومشروع التغيير ورجاله وتوكلهم على الله توكلا مبادرا واقتحاميا، وثباتهم وصدقهم وإصرارهم وعزيمتهم واستعدادهم للتضحية من أجل هذا الفكرة وذلك المشروع، من أجل الإيمان بالقضية وبالمبدأ وبحق الناس عليهم في الصمود والثبات على الموقف، رجال لا يباعون ولا يشترون.

إن رجال التغيير ليسوا من هذا العهد تحت هذا النظام، وإنما هم من العهد الجديد، عهد المستقبل والحرية والكرامة، وكذلك يجب أن يكون الشعب الذي سيتبعهم ويؤمن بهم، أن يتحرر من إكراهات الزمن والوضع الراهن، ويترفع عن مشاكل الأكل والشرب والالتزامات الاجتماعية والمهنية والعائلية ليصبح شعب المبادئ والقيم والرسالة، شعب الحكم العادل والراشد.

إن ميزان القوة والضعف والعزة والذلة لا يستقيم بأوزان نظام تقوم سياساته على الظلم والإفساد وإنما على مشيئة الله سبحانه ثم بما استقر في روع المؤمن العامل في حقل الدعوة وإحياء الرسالة العالمية العادلة الراشدة من يقين في الله وتوكل عليه في المبتدأ والمنتهى، ومن الغريب أن الجماعة في حديث التربية ومعرفة الله والعبادات والعمل للآخرة تبدي يقينا واستعدادا كبيرا وتحث عليه أتباعها والمجتمع، ولكن في شؤون الدنيا ومواجهة الظلمة والمفسدين في الأرض تلتمس لنفسها الأعذار من قبيل ضعف الإمكانات واختلال ميزان القوة بينها وبين النظام مما يؤكد غياب خيار التغيير في مشروعها أصلا، لأن الأهم في رأيها هو الآخرة وتربية أبنائها على اتباع الشيخ لا على تبعات الاستخلاف الدنيوي واقتحام العقبة وتحمل أعباء الدعوة إلى الحق.

إن الوقوف في وجه الظلم والإفساد هو التعبير الدقيق والأمين لعبادة الله وتوحيده وإفراده بالعبودية والاستسلام لمشيئته وحكمه وسلطانه لا لحكم وسلطان الظالم، مهما كان ميزان القوة، مما يقتضي من حركة التغيير التزام مقتضى الشرع في الكتاب والسنة وليس تبعية الشيخ وتمثلاته الطرقية وتفسيراته للظواهر السياسية والاجتماعية برؤى المنام ودعوة الناس للانصراف عن المسؤولية الشرعية هنا في الدنيا والبحث عن “السعادة” في الابتهالات العرفانية والتوسلات الوجدانية لابتغاء عالم غيبي لم يحن وقته ولا اكتملت شروطه الزمنية.

  د/ علاء الزموري*

باحث في التاريخ السياسي المغربي  

 

 

المصدر: الفجر نيوز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دار الحديث الحسنية تحتضن ندوة دولية حول الإسلام الإفريقي

الفجر نيوز  – متابعة انطلقت، اليوم الثلاثاء بالرباط، أشغال الندوة الدولية الرابعة التي تنظمها مؤسسة ...