أخبار عاجلة
الرئيسية / أعمدة ومقالات / تصريحات الدكتور أحمد الريسوني حول موريتانيا والجزائر.. تعليقات وملاحظات

تصريحات الدكتور أحمد الريسوني حول موريتانيا والجزائر.. تعليقات وملاحظات

بقلم: د. عبدالله الجباري

أدلى الدكتور أحمد الريسوني قبل أيام بتصريح صحفي مطول مع أحد المواقع الإلكترونية، ووجه إليه الصحفي المحاور عددا من الأسئلة في مواضيع متعددة، قاربها الضيف بطريقته المعهودة، وقد تضمن الحوار سؤالا حول الصحراء أجاب عنه الضيف في دقائق قليلات أثارت صخبا وضجيجا ومقالات وتدوينات.

تصريح الريسوني

حتى نحارب التدليس والتلبيس، نورد تصريح الريسوني بلفظه ونصه، فقد سئل عن قضية الصحراء، فأجاب بالآتي:

1 ــ أنا على فكر علال الفاسي، وسبق أن ذكرت أن وجود موريتانيا غلط، فضلا عن الصحراء، والمغرب يجب أن يعود كما كان قبل الغزو الأوربي.

2 ــ نحن نثبت مغربية الصحراء ببيعة أهلها للعرش المغربي، وبيعات علماء وأعيان موريتانيا ثابتة.

3 ــ قضية الصحراء صناعة استعمارية.

4 ــ موريتانيا اعترف بها المغرب، فتُركت للتاريخ ليقول كلمته، أما الصحراء فتمسك بها المغرب، لذا نقول بأن قضية الصحراء صناعة استعمارية، وللأسف أن تتورط دول شقيقة عربية وإسلامية في دعم وتبني هذه الصناعة الاستعمارية.

5 ــ للأسف، معالجة قضية الصحراء تتم بمعزل عن الشعب، وهذا ما جعل بعض المسؤولين يتوهمون أن إسرائيل تنفعنا، ولو كان الاعتماد على الشعب، فالشعب مستعد لأن يجاهد بماله ونفسه وأن يتعبأ كما تعبأ في المسيرة الخضراء، وأن يقطع آمال الذين يفكرون في فصل الصحراء.

6 ــ المغاربة مستعدون إذا دعا جلالة الملك إلى مسيرة بالملايين، أو إذا دعا إلى الجهاد بالمال، فنحن مستعدون.

7 ــ علماء المغرب ودعاته مستعدون أن يذهبوا أو يقيموا بالأسابيع والشهور في الصحراء وفي تندوف، نحن لا نقيم مسيرة إلى العيون فقط، بل مسيرة إلى تندوف.

8 ــ للأسف، الدولة بدل أن تعتمد على الشعب ذهبت تعتمد على إسرائيل، وستكتشف السراب، وعسى أن تعود إلى الشعب، فقضية كهذه لابد من الرجوع فيها إلى الشعب وقواه وطاقاته التي لا نهاية لها.

هذا تصريح الريسوني، كتبته مُنَجّما في نقاط ليسهل تناوله والتعامل معه.

التعليق على تصريح الريسوني

أولا: ضم تصريح الريسوني ثماني نقط، لم تُذكر دولة الجزائر الشقيقة في أي منها، سوى في النقطة الرابعة حين أشار إلى دول عربية وإسلامية داعمة لإخوتنا في البوليساريو.

ثانيا: تحدث الريسوني عن تندوف لوحدها دون أقاليم القطر الجزائري الشقيق، وتحدث عن الاستعداد للتوجه إليها بمسيرة سلمية، وهذا من حقه باعتباره عالما ومثقفا، وليس بالضرورة أن يكون المثقف تابعا للدولة وخياراتها واستراتيجياتها، وها هي دول أوربا الملكية كثيرا ما يعلن مثقفوها عن نزوعاتهم الجمهورية مثلا، فلا ينتفض في وجههم أحد، وبما أننا في جنوب المتوسط نرفل في التخلف ونتربع على عرشه، فإننا ننتفض ضد من يفكر خارج الصندوق، لذا كانت انتفاضة بعض مثقفي ومؤثري الجزائر الشقيقة.

ثالثا: تندوف إقليم لا ينتسب إلى التراب الجزائري إلا بالشرعية الاستعمارية، لذا دعا الريسوني إلى العودة إلى التقسيم الجغرافي لما قبل الغزو الأوربي، لكن كثيرا من الجزائريين وبعض الموريتانيين استنكروا الرجوع إلى التاريخ أولا، واستعملوا تقنية التعويم ثانيا، فعادوا إلى الحقب المرابطية وما بعدها، في حين أن الريسوني لم يرجع إلى التاريخ البعيد، بل ربط القضية بالتاريخ المعاصر (قبل الغزو الأوربي)، وبما أنهم منطقيا وعلميا لا يستطيعون الرد، لجأوا إلى التعويم.

رابعا: تصريح الريسوني لا يعني أنه لا يعترف بموريتانيا كما ردد بعض الجزائريين تحميسا منهم للموريتانيين، بل اعتبر انفصال موريتانيا عن المغرب غلطة، وهذا من حقه، ولا يتنافى مع اعترافه باستقلال موريتانيا، واستقلال بلد عن أمه أمر معمول به، فالسودان استقلت عن مصر، وجنوب السودان استقل عن السودان، والتشكيك انفصلت عن اختها مما كان يسمى تشيكوسلوفاكيا، ومن حق مفكر تشيكي أن يعتبر هذا الانفصال غلطا، كما من حق مفكر مصري أن يعتبر انفصال السودان غلطا، كما من حق مفكر عربي أن يعتبر سايس بيكو برمتها غلطا، ومن هذه البابة اعتبر الريسوني انفصال موريتانيا غلطا رغم أن المغرب الرسمي معترف بذلك ومقر له. وهذا يجرنا إلى النقطة الأخرى.

خامسا: تقويم الريسوني للانفصال الموريتاني خلافا للموقف الرسمي المغربي دليل واضح على أنه مثقف غير مخزني، كما أن تنقيده للجوء المغرب إلى الصهاينة في قضية الصحراء دليل أوضح على أنه لا يخدم أجندة المخزن، ومع هذه الدلائل الواضحات يصر بعض مثقفي الجزائر على ربط الريسوني بخدمة أجندة المخزن، وقد رأيت ذلك عند جامعيين ومثقفين، مما يدل على أنهم كتبوا دون الاستماع إلى شريط الرجل، أو أنهم استمعوا له ولم يفهموه.

سادسا: استعمل كل من شارك في الحملة ضد الريسوني إقليمي سبتة ومليلية، ظنا منهم أنهم يفحمون الرجل، وهذه تقنية الهروب إلى الأمام، لأن الريسوني لا يتردد في شأن المدينيتن السليبتين أن يقول أكثر مما قاله في شأن تندوف السليبة، لكن المشكلة ليست في الريسوني، وإنما في الصحفي الذي طرح عليه السؤال، فهو طرح سؤالا حول الصحراء استوجب تعليقا من الريسوني عن الصحراء ومتعلقاتها، ولو طرح عليه سؤالا عن المدينتين لأجابه بما يلزمه مقام السؤال.

ردود الفعل

بعد أيام من هذا التصريح، قامت قيامة الجزائريين، والتحق بهم بعض الموريتانيين، وكانت ردود فعل متشنجة، شاركت فيها هيآت برلمانية وسياسية، إضافة إلى شخصيات علمية ورياضية معروفة بأعيانها وأسمائها وأحوالها، إضافة إلى جيش من المجاهيل غير المعروفين ممن يصطلح عليهم بالذباب الإلكتروني، والذباب نعرض عنه وعن مسيريه ومحركيه وباعثيه.

والقاسم المشترك في ردود الفعل هذه أنها متشنجة ومنفعلة وغير عقلانية، فهذا حفيظ دراجي الذي لا زاد له سوى بعض العبارات التهييجية في تعليقاته على مباريات كرة القدم كتب عن الريسوني بأنه صار عامل هدم يحرض على الحرب، ينفي وجود موريتانيا، ويدعو إلى الزحف على الجزائر، عوض أن يندد بالتطبيع ويدعو إلى الزحف لتحرير فلسطين، أو حتى استرجاع سبتة ومليلية، ثم يقول بكل سفالة ووقاحة: “إنه تأثير المخدرات على شيخ لا يمكن أن يرأس هيأة علماء المسلمين، بل هيأة الجهلة والمنافقين”.

وإذا تجاوزنا تعليق هذا المعلق التهييجي، وبحثنا عن تعليقات الجامعيين والعلماء، وجدناها قد استوت مع حفيظ دراجي في نفس الدركات، فهذا الأستاذ بلخير طاهري الإدريسي وهو معدود من علماء الجزائر، كأنه أعلن النفير العام بتصريحاته غير المتزنة، فدعا الريسوني إلى الاعتذار للجزائر بشكل رسمي، والاعتذار لأعضاء الاتحاد العالمي ومحبيه، وسحب المقطع من المواقع، ودعا إلى استصدار قرار من الاتحاد يحظر على أعضاء الأمانة العامة من أي تصريح فردي في قضايا الأمة ولو باسمه الخاص.

ويؤسفنا أن نقرأ هذه المطالب التي قد نتفهمها إن صدرت عن ستالين في عقود سالفة، أما أن تصدر عن “عالم” في العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، فهذا دليل على أن داء التخلف مستشري بقوة في الأدمغة والعقول، لأن من غير المعقول أن نطالب أعضاء هيأة معينة بالتصريح لمفردها، ومن غير المعقول أن يطالب باعتذار الريسوني عن تصريح وحيد، ولا يطالب قيادة المرادية ومن يلتف حولها باعتذار للمغرب جراء مائات التصريحات ومائات المواقف المعادية للمغرب.

ولم يكتف الأستاذ الشريف بلخير طاهري بمنشوره المكتوب من محبرة ستالينية، فاضطر إلى نشر فيديو انفعالي، زاد فيه على ما ذُكر التذكير بأن الجزائر حصلت على استقلالها بدم 10 ملايين جزائري، وأن فرنسا انسحبت من 12 بلدا للتفرغ للجزائر، وأن الريسوني إن كان ذا نخوة ورجولة وجهاد فليفكر في سبتة ومليلية والزحف عليهما، ثم عرج على اتفاق التطبيع مع الصهاينة، وقال له بخطاب عسكري: “ما دام أن يدكم في يد الكيان الصهيوني فإن أصابعنا على الزناد”، ثم ذكّر الريسوني بأنه من حقه أن يطيع أميره، كما أنهم من حقهم أن يطيعوا رئيسهم عبد المجيد تبون، “وإن شاء أن نزحف عليكم سنزحف”، وبعد خطاب تهديدي، دعا الريسوني إلى العودة إلى رشده وإلى عقله وإلى دينه.

وقد نشر غير واحد من علماء الجزائر وأساتذتها وساستها تغريدات تفاعلا مع الحادث، وكلها تشترك مع المذكورَين، ومنهم من دعا إلى “التحجير” على الريسوني، ومنهم من دعا إلى الاستقالة من الاتحاد العالمي، ومنهم من سحب عن الرجل صفة العالمية.

أما الموريتانيون، فانخرطوا لاحقا في هذا النقاش، وصدرت بيانات محتشمة لا نلتفت إليها، ليس تقليلا من شأنها، ولكن لأنها لم تسقط إلى دركات رد الفعل الجزائري.

وقبل الحديث عن “التوسع” المغربي والأوهام الجزائرية، نعلق على كلام الشريف بلخير طاهري الذي يعتبر نفسه من “رموز” العلم الشرعي بالجزائر، مما يعد تزكية للنفس مرفوضة شرعا.

أولا: تعوّد قصر المرادية على الاستغلال غير الأخلاقي للدم الجزائري والشهداء الجزائريين، حتى أن منتخب الجزائر لكرة القدم، فئة الصغار، لما انتصر على المنتخب المغربي في قطر، وفي مرحلة غير حاسمة، كتبت الرئاسة الجزائرية تدوينة في الفايسبوك تقدم من خلالها للمنتخب الجزائري مليون ونصف مليون تهنئة، ونفس الاستغلال غير الأخلاقي وجدناه الآن عند “علماء” الجزائر في هذه القضية، ونقول لهم، الشهداء ودماؤهم نضعها في خانة القدسية، ولا يتاجر بها إلا خسيس، ولا يستغلها إلا دنيء.

وغير خاف على الجزائريين أن الدم المغربي والدم الجزائري اختلطا وسقيا التراب المغربي والتراب الجزائري على السواء.

ومن الغلو في استغلال الشهداء تضخيم عددهم، وهذا ما وقع لبلخير طاهري في حماسته، حيث أوصلهم إلى 10 ملايين شهيد.

وإذا كان الدم الجزائري مقدسا عند فضيلته، فلماذ بلع لسانه ولم يندد بقتل الجيش الجزائري لأبناء الجزائر في أحداث العشرية المظلمة، ونسبة كل تلك الفظاعات إلى “الجهاديين”، وقد صدرت تصريحات من أبناء الجيش تثبت ذلك، وهو على علم يقيني بذلك. فأين قدسية الدم الجزائري؟ أم أن الدم الجزائري يُستغل في مواضيع دون غيرها؟

ثانيا: من استغلال الدم والشهداء إلى استغلال القضية الفلسطينية واستثمارها غير الأخلاقي والوقح من قبل بعض النخبة الجزائرية، ومنهم فضيلة الأستاذ الشريف بلخير، وما زلت أذكر أن المنتخب الجزائري لما انتصر في مقابلة غير حاسمة على المنتخب المغربي، كتب تدوينة ربط فيها بين الجزائر وفلسطين والتطبيع في خلطة هلامية لا يتقنها إلا تجار القضايا العادلة. ما هكذا تورد الإبل يا دكتور بلخير.

ثالثا: الأستاذ بلخير أعرفه منذ أمد باعتباره شخص غير مبدئي، وبوصلتُه مصلحتُه، ومصلحته بوصلته، فمنذ أشهر، رأيت تدوينة فايسبوكية لمنظمة رابطة العالم الإسلامي، كتب عليها تعليقا نثر فيه الثناء عليها وعلى عملها واهتماماتها، والآن يستعمل ورقة التطبيع وورقة القضية الفلسطينية ضد الريسوني، مع العلم أن من أثنى عليهم هم قادة الصهينة العربية، وهم قادة صلاة الهولوكست، فبدل أن ينتقدهم يثني عليهم، والريسوني الذي سبق أن ندد بتطبيع المغرب بكلام صريح فصيح، وفي تصريحه الحالي الذي جزأناه أعلاه ندد بهرولة المسؤولين المغاربة نحو إسرائيل، رغم كل ذلك، فإن بلخير طاهري يستخرج من دولابه قضية فلسطين لضرب الريسوني مناهض التطبيع، ويثني على أهل التطبيع، لنلمس بكل قوة أن الرجل وغيره حين ذكروا التطبيع لم يكونوا سوى تجار ومستثمرين.

رابعا: إذا كان الأستاذ بلخير ضد الزحف نحو تندوف معارضا له معارضة مبدئية، فليس من حقه أن يهدد بالزحف نحو المغرب، لأن الإنسان المبدئي لا يتبنى ما يرفضه من غيره ولو على سبيل الإلزام.

خامسا: إذا كانت دعوة الريسوني إلى مسيرة سلمية نحو تندوف قد استفزت الأستاذ بلخير، فإن هذا الأخير ذكر أن يد الشعب الجزائري على الزناد، وأن ذلك ليس الآن، وإنما منذ اتفاق المغرب مع الكيان الغاصب، مما يعني أنهم على الزناد منذ مدة وليس بعد تصريح الريسوني، وهذا بمثابة إعلان حرب، ولكن المغرب دولة وشعبا لا يتعامل مع بلخير كما تعامل هو مع الريسوني، ومن الحكمة أن نُنزل الناس منازلهم.

سادسا: أن يدعو بلخير الريسوني إلى العودة إلى دينه، أضحوكةٌ مبكية، وكأن الجزائر من نواقض الدين، من تكلم عنها خرج من الإسلام، وهذا وحده دليل على عدم رزانة أستاذ جامعي وعالم بل رمز من رموز العلم الشرعي بالجزائر.

ملاحظات على التفاعل

يلاحظ على المتفاعلين أنهم خرجوا عن الانضباط النفسي، ولعل ذلك راجع إلى إدراكهم بلاعدالة طرحهم في قضية تندوف، وبلاعدالة دعمهم للانفصال الصحراوي، لكن هناك ملاحظة أخرى، وهي أنهم جميعا ركزوا على سبتة ونظيرتها أولا، وعلى التطبيع مع الكيان ثانيا رغم أن تصريح الريسوني ينص على التنديد به، وعلى خدمة الريسوني للمخزن وأجندته ثالثا، فهل وقع بين هؤلاء المعلقين التوافق القدري على هذه النقاط؟ أم أن الذباب الإلكتروني هو الذي وجه الرأي العام لتكرار هذه الأسطوانة بطريقة ببغاوية؟ ولينورنا علماء ومثقفو الجزائر الذين انخرطوا في الجوقة: لماذا أدرجوا الحديث عن التطبيع رغم أن الريسوني يندد به؟ أم أنهم استُدرجوا لهذا فقط؟

من هي الدولة التوسعية: المغرب أو الجزائر؟

في نوفمبر 2021، صدر بيان عن قصر المرادية تحدث فيه عن [التوسع الإقليمي] للمغرب، كما يصف المغرب بـ[قوات الاحتلال]، وهذا ما يردده مثقفو الجزائر الذين فطموا على السياسة التي وضع لبناتها الأولى بومدين ومن معه، فهل المغرب دولة توسعية؟

أولا: المغرب اتفق في سياق سياسي مع الشناقطة حول انفصال إقليم موريتانيا، وهذا دليل على سياسة توسعية أو سياسة انكماشية؟

ثانيا: بالنسبة لتندوف، كل الدلائل تدل على أنه إقليم مغربي ضُمّ في سياق السياسة الاستعمارية إلى الجزائر، والسياسة الاستعمارية لا تضفي الشرعية كما هو معلوم لعقلاء الجزائر. وهنا سأسوق للقارئ الجزائري ما يدل على أن تندوف ليس إقليما جزائريا، ومن حقه أن يرد علينا بالعلم والوثائق لا بالحماسة والإنشاء كما يفعل حفيظ دراجي ونظيره بلخير طاهري الإدريسي.

1 ــ استعمرت فرنسا الجزائر سنة 1830، ولم تستعمر تندوف إلا سنة 1934، أي بعد أكثر من قرن، فلمن كان ينتسب هذا الإقليم طيلة هذه المدة؟

إذا كان إقليما جزائريا، فلماذا تلكأت فرنسا في احتلالها مع عموم القطر الجزائري؟ وأين دعمه للمقاومة الجزائرية طيلة هذا القرن من الزمان؟

غني عن البيان أن فرنسا لم تتوسع في المغرب إلا بعد عقد الحماية سنة 1912، واصدمت بالمقاومة المغربية، ولم يتسن لها السيطرة على المغرب إلا على دفعات، لذلك لم تصل إلى تندوف إلا بعد 22 سنة، ولو كانت تندوف مدينة جزائرية لاحتلتها فرنسا بعد 1830 بعقد أو عقدين.

2 ــ من المعلوم أن الشيخ ماء العينين من السمارة المغربية، وله جاه عريض في الصحراء، وكان مبايعا للسلطان المغربي، وله مقاومة لإرهاصات الاحتلال، كما كانت له زوايا ومريدين، وورثه في حركته الجهادية ابنه أحمد الهيبة الذي قاوم الفرنسيين إلى حدود شمال مراكش بسيدي بوعثمان، وله امتداد إلى تيزنيت وتارودانت، وكل هذه المناطق مغربية خالصة، إذا استحضرنا هذا، يجب أن نستحضر معلومة مهمة، وهي انضمام أهل تندوف إلى حركة أحمد الهيبة، فلو كان أهل تندوف جزائريين لما يمموا وجههم نحو هذا المقاوم، ولنسقوا في ذلك الإبان مع المقاومين الجزائريين في حركة جهادية مندمجة، أما اندماجهم وتنسيقهم مع حركة الهيبة الموالي لسلطان المغرب والمجاهد في التراب المغربي فهذا دليل منهم على مغربيتهم ومغربية إقليمهم.

3 ــ حين وصلت القوات الفرنسية إلى تندوف سنة 1934، لم يُعلَن أي تنسيق بين أهلها وبين الجزائريين، بل انطلقت حملة من المغرب إلى تندوف يوم 29 مارس 1934، وتشابكت مع القوات الفرنسية يوم 7 أبريل في بلقردان، وكانت المقاومة الباسلة بقيادة أهل الركيبات، والركيبات مغربية أُلحقت بالجزائر كما سنبينه في النقطة الموالية.

4 ــ ورد في تقرير فرنسي موجود بأرشيف معهد باستور بالجزائر أن العقيد ترانكاي قائد فرقة الرحالة الفرنسية بالجزائر التقى بالحاكم الفرنسي بموريتانيا في بير أم قرين يوم 21 ديسمبر 1934 وقررا إلحاق الركيبات القواسم بالجزائر. ولينتبه الإخوة الجزائريون إلى عبارة “قررا إلحاق الرقيبات القواسم بالجزائر”، والإلحاق يعني أنها لم تكن ضمن التراب الجزائري، وهذا ما سيؤكده نص عن مؤرخ جزائري سأورده أدناه.

5 ــ لما قررت فرنسا إجراء استفتاء حول استقلال الجزائر يوم فاتح يوليوز 1962، طُرحت مشكلة قانونية، وهي امتناع سكان تندوف ورفضهم المشاركة في الاستفتاء، بدعوى أنهم مغاربة ويحملون الجنسية المغربية، ولو كان إقليما جزائريا لما طُرح هذا الإشكال.

6 ــ لم يثبت من حيث الوثائق القانونية لحد الآن أي علاقة إدارية أو تبعية بين سكان تندوف والإيالة العثمانية بالجزائر، فكيف نُثبت جزائريةَ هذا الإقليم؟

7 ــ في كتاب “المجتمع والمقاومة في الجنوب الشرقي المغربي”، يقدم الفرنسي روس إ، دان معلومات غاية في الأهمية عن مرحلة 1881 و1912، لأنه عاش تلك المرحلة وعرف خبايا المنطقة وأهلها، نقف في كتابه على مسألة مهمة، وهي أنه يحكي عن فجيج وبوذنيب وبشار في انسيابية تامة، تدل على أنه يتحدث عن أقاليم ومناطق في دولة واحدة وليس في دولتين، هذا الإحساس سيتجلى أكثر حين نقف معه على عبارتين مهمتين استعملهما في كتابه:

العبارة الأولى: قال: [سمح الاتفاق أيضا بالاحتلال النهائي لكل من بوذنيب التي كان معترفا بها أنها مغربية، والمراكز الواقعة في كير الأسفل وزوزفانة التي كانت قد أُلحقت بالجزائر]، وليتأمل معي القارئ الجزائري إلى عبارة [أُلحقت بالجزائر]، وليحللها لغويا وسيميائيا، هل كانت جزائرية؟ أم أنها غير جزائرية وألحقت بالجزائر؟ وإذا ألحقت بالجزائر، فإلى أي قطر كانت تنتمي؟

العبارة الثانية: قال المؤلف الفرنسي الذي عايش مرحلة الإلحاق والضم: [وإذا استثنينا هؤلاء الأمازيغ العنيدين وثوار تافيلالت، فإننا سنجد أن سنة 1912 مثلت تحولا سياسيا بالنسبة لمعظم سكان الجنوب الشرقي، فقبل 1912 لم يقم الجيش الفرنسي بإعادة التنظيم السياسي إلا في المناطق التي ضُمّت إلى الجزائر]، وليتأمل القارئ أيضا عبارة [ضُمّت إلى الجزائر]، وليدرك معنى دعوة الريسوني إلى العودة إلى ما قبل الغزو الأوربي، أي ما قبل سياسة الضم والإلحاق.

8 ــ قد لا يروق للجزائري كلام الريسوني، وقد يرفض كلام الفرنسي والوثائق الفرنسية، هنا لا بد أن نمده بأقوال الجزائريين، وبعيدا عن البروباغندا، وبعيدا عن المهيجين كحفيظ دراجي، وبعيدا عن الانفعاليين القابضين على الزناد منذ مدة كبلخير طاهري الإدريسي، نقدم للقارئ نصا كتبه مؤرخ رسمي جزائري يعده الجزائريون شيخَ المؤرخين، قال أبو القاسم سعد الله في كتابه تاريخ الجزائر الثقافي أثناء تحديده لمنطقة [الجنوب] في القطر الجزائري الشقيق: [ليس هناك حد فاصل ومصطلح متعارف عليه لمفهوم الجنوب في الجزائر، فقد يعني تارة الخط الذي يلي الأطلس الصحراوي، وبذلك تكون بسكرة وبوسعادة والمسيلة والأغواط والبيض وعين ماضي كلها جنوبية، وقد يعني فقط أرض الرمال، كالعرق الشرقي والعرق الغربي، فتكون سوف وتقرت وورقلة وشبكة ميزاب ومتليلي وتوات هي الخط الجنوبي، وإلى آخر القرن الماضي كان المقصود بالجنوب هذه الحدود والبلدان والواحات حيث النخيل والرمال والشمس المحرقة صيفا والبرد اللافح شتاء، ولكن منذ آخر القرن الماضي امتدت الحدود إلى بشار وتندوف ورقان وعين صالح].

هذا النص يبين لنا أن [الجنوب] الجزائري جنوب غير قار، وعرف ثلاث توسعات، والتوسع الثالث هو الذي عبر عنه بقوله [امتدت الحدود إلى بشار وتندوف]، كيف امتدت؟ من مدها؟ ومتى؟ لهذه الأسئلة الحارقة إجابات مستبطنة في كلام الريسوني حين دعا إلى العودة إلى حدود ما قبل الغزو الأوربي، وهو كلام مؤسس علميا من مؤرخين مغاربة وفرنسيين وجزائريين، ومن يستنكر هذه الحقائق ما علينا إلا أن نقول له: قل هاتوا برهانكم ودَعُوا إنشاءكم وتهييجكم وعنترياتكم.

على سبيل الختم

كم يحلم أبناء شمال إفريقية بأوطان منفتحة على بعضها تجاريا وسياحيا وثقافيا، لكن الواقع البئيس يجعلنا نتألم ونتأسف، ويزداد ألمنا حين نرى الوقع الأوربي وانسيابية الحركات البشرية والتجارية عبر الحدود.

ومنذ عقود والنظام الجزائري يغدق على ربيبه الصحراوي المال الوفير، ويبخل به على أبناء الشعب الجزائري، فلا طرق سيارة تغطي القطر الجزائري، ولا مطارات راقية، ولا موانئ كبرى حديثة، ولا مناطق سياحية جاذبة، ولا فلاحة تغني عن الاستيراد، مع أن مداخيل الغاز والبترول تمكنه من إرجاع البلاد جنة الشمال الإفريقي.

حين نتحدث عن الجزائر لا نتحدث عنها بمنطق التشفي أو التوسع، كلا، هي بلدنا ولله الحمد، والمغاربة قدموا الغالي والنفيس للثورة والثوار، أموالا وأرواحا وسلاحا، كما أن كثيرا من المغاربة من أصول جزائرية، وجدّي لأمي ابن رجل وفد من معسكر إلى المغرب، وهو من سلالة الولي الصالح سيدي بنيخلف بمعسكر، فالدم الجزائري مختلط مع الدم المغربي في عروقنا، وهذا الاختلاط هو الذي يُكسبنا موضوعيةً في التحليل، ويُخضعنا للتاريخ وقدسية وثائقه، بعيدا عن أجندات الحاكمين.

نعم، للحكام أجنداتهم واستراتيجياتهم وإكراهاتهم، وللمثقفين أجنداتهم وأحلامهم وآمالهم، وشخصيا، لم يسبق لي أن اطمأننت لجزائرية تندوف، وكلما رأيت خريطة الجزائر وجدتها كالمرأة الحامل تتوسع نحو الغرب لتقضم أجزاء من التراب المغربي.

وفي الجزائر علماء وباحثون وفضلاء وعقلاء لم يُستدرجوا إلى هذه المناوشات غير العلمية وغير الموضوعية، بل منهم من لا يطمئن لدعم الجزائر للبوليساريو، وكثير من الباحثين يرجعون سبب قتل بوضياف إلى عدم ميوله إلى البوليساريو، كما أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ وبعض رموزها مواقف غير داعمة لهذا الكيان التفتيتي، مما يدل على أن دعم البوليساريو ليس إجماعا جزائريا، وفي المقابل، فالإيمان بمغربية الصحراء إجماع مغربي.

كل التحية والتقدير للشعب الجزائري العظيم، من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، ومن أقصى شرقه إلى أقصى غربه.

المصدر: الفجر نيوز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزارة الأوقاف توقع مع مالي اتفاقية لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات

الفجر نيوز  – متابعة جرى أمس الخميس بالرباط، توقيع بروتوكول اتفاق بشأن تكوين الأئمة المرشدين ...