الرئيسية / أعمدة ومقالات / بين ما وقع في طنجة وما وقع في تمارة

بين ما وقع في طنجة وما وقع في تمارة

بقلم: *مصطفى الحسناوي

الجرائم التي تأذى منها الشعب وأبناء الشعب، والأضرار المحدقة بالمواطن من كل جانب، هي المحك والمرآة لجاهزية الأجهزة الأمنية، والمقياس لجديتها وسرعة تفاعلها وتجاوبها.
عمليات الاختطاف والاعتداء والقتل والاغتصاب والسرقة والكريساج… التي يتأذى منها المواطن مباشرة، هي الاختبار الحقيقي لصدق شعارات حماية المواطنين وحفظ أرواحهم وأموالهم وأمنهم. وهي الاختبار الحقيقي والصادق للمكانة التي يحتلها المواطن، في أجندات السلطة.
للأسف الكثير من الجرائم يفلت بها أصحابها، والكثير من الشكايات في مقرات الأمن، يتم إهمالها أو عدم التعامل معها بجدية، الكثير من حالات الاعتداء التي وثقتها الكاميرات والتي لم توثقها، بقيت تراوح مكانها وبقي الضحايا ينتظرون إنصافا وعدالة طال أمدها.
بالمقابل ملف الإرهاب، عندما تتابع الخلايا المفككة والعمليات التي تم رحباطها، يخيل إليك أن حربا شعواء قائمة في البلد، وأن الجماعات الإهابية اتخذت المغرب معقلا لها، وأن الأمن على أعلى درجات الجهوزية والتيقظ والتتبع والرصد، وأنه قريب إلى المواطن من حبل الوريد، يحميه من النسيم إن فكر أن يخدش خده.
فهل الأمر على هذا النحو؟
الجواب لا وكلا وأبدا.
موضوع الإرهاب هو موضوع يتم الاستثمار فيه أمنيا وسياسيا، داخليا وخاجيا، وهو بشكل من الأشكال يمس السلطة.
الإرهاب يستهدف السلطة وليس المواطن، والسلطة حين تقوم بهذه الحركات، فهي إنما تحمي نفسها، لا المواطن.
وملف الإرهاب ملف مربح، يمكن استثماره خارجيا وجني ثماره العديدة، كما يمكن استثماره داخليا لكسب الشعبية وصناعة البوز، من خلال مايصاحب عمليات التوقيف من “شو” ومسرحيات وتصوير مباشر… كما يمكن استثماره لإرهاب المواطن، وخلق واقع جديد، وسن قوانين جديدة، وتبرير التضييق الأمني…. وهي الفوائد والمكاسب التي لاتوجد في الجريمة العادية، والتي لايتم التعامل معها بنفس الجدية والجاهزية والفعالية.
هذا يجرنا لجريمة طنجة، التي راح ضحيتها طفل برئ، وبالرغم من تسجيل الكاميرات لاستدراج المجرم للضحية، فإن الأجهزة الأمنية لم تتوصل إلى الجاني إلا بعد أربعة أيام.
أين هي تلك القدرات والإمكانيات والفعالية، حين يتعلق الأمر باكتشاف خلية إرهابية حتى (قبل أن تتكون)، وإلقاء القبض على مجموعة مسلحة كانت (تفكر) في عمل مسلح، ومجموعة إرهابية كانت (تنوي) الذهاب إلى سوريا.
جهاز أمني يلقي القبض على أناس (يفكرون) و (ينوون) و (يحلمون) و (يخططون)، في أعمال خارج الحدود. لكنه يتأخر في القبض على أناس آخرين قاموا وفعلوا ونفذوا جرائمهم في حق مواطنين، وتم تصويرهم وتوثيقهم.
لم أشأ منذ خروجي من السجن أن أتحدث في هذه المواضيع، وقد تأذيت كثيرا بسبب حديثي في مثل هذه المواضيع سابقا واقترابي منها كثيرا، تأذيت من السلطة وممن دافعت عنهم أيضا. لكن فاجعة طفل طنجة، وفاجعة هذه السيدة في الفيديو، تدفعان الصخر لأن يتكلم، وتجعل الإنسان يكفر بكل تلك الاحتياطات والتحفظات.
أرجو الاستماع بإمعان لما تقوله هذه السيدة، ومثل قصتها يوجد الكثير.
أنا لا أهون من شأن الإرهاب، ولا أقول إنه غير موجود، ولا أقول أن كل الخلايا والمجموعات التي يتم الإمساك بها بريئة، هناك الكثير من الأشخاص المتورطين، ومنهم من يستحق الإعدام، ولكن يكفي الإمساك بالمتورطين منهم، لاداعي لمسرحيات وتمثيليات يروح ضحيتها أبرياء، يتم تقديمهم كقرابين.
من جهة أخرى محاربة الإرهاب تبدأ بتجفيف منابعه، ومحاصرة الخرافة ومحاربة الجهل، وقد كتبت في اليومين الأخيرين على نموذج للدجل والخرافة والجهل، الذي ينشره بعض الرقاة، والسلطة تغض الطرف عنه، بل وتشجعه.
إن هذا الفكر الخرافي، وهذا الجهل المقدس الذي ترعاه السلطة، هو الحاضنة والبيئة المناسبة لترعرع كل أشكال التطرف والإرهاب، ولو كانت السلطات جادة لحاربته من جذوره، عوض ترك الأسباب ومعالجة الأعراض بأساليب هوليودي غير بريئة.
أترككم مع كلمة هذه السيدة، وأنا على يقين أن ماتقوله صحيح، وعندي من الأمثلة والشهادات والقصص الكثيرة والصادمة، على جلب السلطات لأسلحة بيضاء أو حتى نارية وأدوات كثيرة، ثم تصويرها داخل شقة المقبوض عليه على أنه تم ضبطها عنده.
وأعلن تضامني مع هذه السيدة، واستنكاري وإدانتي لما لحقها، هي وأسرتها، بنفس القدر الذي أستنكر وأدين به التطرف والإرهاب ومنابعه ومصادره ومن يحميه ومن يرعاه ومن يستثمره.

* صحفي وكاتب مغربي مقيم في السويد

المصدر: الفجر نيوز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إصابة 4 أشخاص جراء هجوم قرب المقر القديم لـ”شارلي إبدو” في باريس

الفجر نيوز – وكالات أصيب أربعة أشخاص على الأقل جراء عملية طعن نفذت اليوم الجمعة ...

%d مدونون معجبون بهذه: