الرئيسية / أعمدة ومقالات / التهجم على الإسلام مجرد «وجهة نظر»؟!

التهجم على الإسلام مجرد «وجهة نظر»؟!

بقلم: الطاهر الطويل

ما سرّ إثارة قضية (فلانة) و(فلان) اللذين تهجّمَا على الإسلام، في هذه الظروف تحديدا؟ هل تندرج هي الأخرى ضمن «استراتيجية الإلهاء» التي يقع اللجوء إليها كلما بدت ثمة حاجة للتغطية على قضايا تهمّ الانشغالات اليومية للمواطنين؟
الحقيقة أن تلك القضية ما كانت لتكون محفّزة لنا على الكتابة، لولا ردود الفعل المُناصرة للمعنييْن بالأمر، التي اعتبرت رفض ذلك السلوك كما لو أنه مؤشر على نكسة الديمقراطية وهجوم على حرية التعبير والاعتقاد؛ وذلك على خلفية تقسيم الناس ـ تعسّفًا وجُزافًا ـ إلى معسكرين: «ظلاميين» و«حداثيين».
والواقع أن تلك المواقف تثير مفارقات وتناقضات تحتاج إلى توضيحات، على النحو التالي:
1 ـ حرية الرأي: يستند مناصرو (فلانة) و(فلان) إلى مسألة حرية التعبير، ويقولون إن ما قام به المعنيان بالأمر مجرد وجهة نظر. فهل سبّ الرسول وازدراء الأديان وجهة نظر؟! يدافعون عن حقهم في السب والازدراء… من منطلق الحرية! ويريدون أن يصادروا حقنا في الاحتجاج. يريدون أن نبقى في موقف المتفرج، وهم يسبّون الرسول ويهينون رموز الإسلام، حتى نبرهن لهم أننا «حداثيون» ومؤمنون بالاختلاف، ونحن فعلا كذلك. ولكننا حين لا نجاريهم في فهمم الخاص للأمور، نصير ـ وفق منطقهم الدوغمائي ـ «داعشيين» نروّج خطاب الحقد والكراهية؟! ما لكم؟ كيف تحكمون؟
2 ـ حرية الاعتقاد: ينطلق مناصرو (فلانة) و(فلان) من حرية الاعتقاد؛ وهو شيء مُسلَّم به، ولا اختلافَ عليه، ولنا في كلام الله حُكم فاصل: «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر». آمِنْ بالله، أو لا تؤمن به… كُنْ مسلما أو لا تكون… ذلك شأنك ولا يلزمني في شيء… اعبد الله، أو اعبد بشرا مثلك! اعبد خنفساء، اعبد نفسك، اعبد أفكارك ونزواتك! أو لا تعبد أي شيء بالمطلق! ذلك لا يهمّني أبدًا، ولن أهتم به، ولن أعلّق على اختيارك التي تلزمك لوحدك، فليس من حقي ذلك. ولكن، في المقابل، ليس من حقك أنت أن تسخر من إيماني ومعتقداتي. أليس هذا هو جوهر حرية الاعتقاد؟
3 ـ الجرأة وكسر التابوهات: لماذا تحصرون الجرأة في التعبير وكسر التابهوات فقط في التجرؤ على الذات الإلهية وعلى الإسلام؟ ولا تجرؤون على انتقاد المفسدين في السياسة والاقتصاد؟ هل قضينا على الفقر والأمية وعلى الريع والظلم والاستبداد، وحققنا العدالة الاجتماعية وجودة الصحة والتعليم والإعلام والقضاء والاقتصاد والإدارة، وبقي لنا فقط أن نخوض ـ بطريقة شعبوية وليس منهجية ـ في الإيمان والغيبيات؟ مشكلتكم أيها “الحداثويون” أنكم تفتعلون معارك خاسرة وهامشية. وإذا كنتم تودون من ورائها جس النبض، فقد وصلت الرسالة، وجاءكم الجواب!
4 ـ القانون والكيل بمكيالين: حينما يتحدث شخص «متطرف» تقوم قيامتهم، ويطالبون بتطبيق القانون ومحاكمته واعتقاله، وحينما يتهجم شخص آخر على الإسلام يقولون: لا ينبغي تطبيق القانون، فالرجل إنما يمارس حقه في التعبير. والحال أن هذا التهجم على المعتقد الديني تطرف من نوع آخر، ذلك أن المساس بالمعتقد مؤشر خطير يهدد السّلم الاجتماعي. التطرف كيفما كان شكله ومحتواه منبوذ ومرفوض؛ وجاء القانون لردع أي نزوع قد يؤدي إلى تهديد السلم الاجتماعي وخلخلة التعايش والتساكن بين الناس على أساس الاحترام المتبادل ومراعاة شعور الآخرين.
5 ـ الاحتكام إلى الدستور: الدستور الذي صوّت عليه المغاربة بالإجماع يحدد هوية الدولة المغربية باعتبارها “دولة إسلامية”، كما ينص على الصفة الدينية لرئيس الدولة بالقول “الملك أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين”. لكن الظاهر أن بعض “الحداثويين” يطالبون بالاحتكام إلى الدستور في الأشياء التي ترضيهم، ولا يودون الإنصات إلى الأشياء التي لا ترضيهم. الدستور كلٌّ لا يتجزأ، لا يمكن أن نأخذ منه شيئا ونرفض شيئا آخر. وحين صوت عليه المغاربة فإنهم صوتوا على كل بنوده وفصوله. ومن ثم، فالتهجم على الإسلام ورموزه هو تهجم على الدستور من جهة، كما أنه من جهة ثانية ضرب في أحد الأسس التي انبنت عليها الدولة المغربية منذ تأسيسها قبل قرون عديدة.
إن مما ضمن استمرار هذه الدولة وحقق لها أمجادا عبر التاريخ هو ارتكازها إلى بُعد ديني يجسده السلطان أو الملك باعتباره أميرا للمؤمنين، والتلاحم بين البعدين المدني والديني هو إحدى خصوصيات التجربة السياسية المغربية، فضلا عن كون البعد الديني عنصرا أساسا في الانصهار القوي بين الشعب المغربي والملك أمير المؤمنين. وهكذا، يمكن فهم سر الاهتمام بالجوامع والزوايا والمدارس العتيقة، كما يمكن فهم “السَّلكة” التي تُقرأ يوميا بين صلاتي المغرب والعشاء وكذا بعد صلاة الصبح في مختلف مساجد المملكة في المدن والقرى والجبال والصحراء؛ فكثير من المغاربة يؤمنون بأن هذه “السلكة” تساهم في حفظ هذا البلد.
الخلاصة: هذا هو المغرب، وهذه هي روح دستوره. وكل من يسخر من الدين الإسلامي، فهو يسخر من المغرب ومن الدستور ومن المغاربة ومن إمارة المؤمنين. وبالتالي، فهو يُمَوْقِعُ نفسه في مكان خارج إجماع الأمّة وخارج قوانينها الناظمة.
الطاهر الطويل
(27/05/2020)

المصدر: الفجر نيوز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الداخلية توسع الإجراءات المشددة لتشمل كافة المجال الترابي لمدينة طنجة

الفجر نيوز – متابعة أفاد بلاغ لوزارة الداخلية بأنه تبعا للبلاغ الصادر في شأن تشديد ...

%d مدونون معجبون بهذه: