الرئيسية / قضايا وحوادث / حكي السجون / “أم تراب باغوز” الجهادية الفرنسية التي نجت من مجزرة مخيم الجحيم ببلدة الباغوز آخر معاقل تنظيم “داعش”
autosurf

“أم تراب باغوز” الجهادية الفرنسية التي نجت من مجزرة مخيم الجحيم ببلدة الباغوز آخر معاقل تنظيم “داعش”

أم تراب باغوز هكذا تسمي نفسها، وهي إحدى الناجيات من معركة أو مجزرة بلدة الباغوز التي كانت آخر معاقل تنظيم الدولة الاسلامية بسوريا. المرأة التي يظهر أنها فرنسية الجنسية تروي أحداث مؤلمة وفظيعة شهدتها منطقة الباغوز، ترويها باللغة الفرنسية وكي لا أطيل عليكم هذه ترجمتها دون تصرف..
السابع عشر من مارس، إنه الغروب، ونحن ممددون متحصنون في حفرنا، سيبدأ العرض الآن… كنت أرى من موقعي، جبل باغوز قبالتي، السماء كانت محمرة والظلام يتسلل شيئا فشيئا، في هذه اللحظة لمحت مدفعا يصوب نيرانه من الجبل باتجاهنا، ثم بدأت طلقات الرصاص من أسلحة خفيفة وأخرى ثقيلة، تمطر فوق رؤوسنا، وفي الأجواء طائرات من فئة AC 130 تتعقبنا… كنت في حفرتي رفقة زوجي وطفلتانا، أربع وثلاث سنوات على التوالي،  لم أكف عن ذكر الله، ففي مثل هذه اللحظات تحس بأنك قريب من الله ومن الموت كذلك، إنها الشهادة التي لطالما انتظرناها…
القصف في كل مكان وفي كل الاتجاهات، فجأة سمع دوي انفجار بالقرب منا، دخان كثيف.. الكل يصرخ، تفقدنا بعضنا البعض، الحمد لله لم يصب أحد منا بأذى، ما عدا بعض شظايا القذائف التي كانت على غطاء ابنتي وثقب صغير في نقابي جراء قطعة حديد مشتعلة. خفنا كثيرا و لكن الحمد لله لم يحصل لأي منا أي مكروه. ثم فجأة انفجر مستودع الأسلحة بالقرب منا، كان مشهدا لا يطاق، النار في كل مكان، الذخائر تنفجر ويمكن أن تصيبنا في أي لحظة، وبداخل النيران المشتعلة نساء وأطفال يصرخون، وفي يئس يحاولون الهرب…
أما الذين تمكنو من  الإفلات من النيران فكانوا يردون قتلى برصاص القناصة، وأما البقية فحرقوا أحياء ! لاحقا في الليل كان بعض الإخوة والأخوات يوزعون المياه والاسعافات الأولية على الجرحى، مخاطرين بحياتهم، وعندما كانت تطلق طائرة نيرانها، كانت الخيام تشتعل الواحدة تلو الأخرى فيحرق من بداخلها، رجالا ونساء وأطفالا.  كانت ليلة مرعبة! تلاها فجر يوم الثامن عشر من مارس، يوم المجزرة ! الذي استشهد فيه أكثر من 3000 شخص، اقترح علينا الإخوة الهرب عبر الجبل، على دفعات، فذهبت رفقة ابنتاي، أما زوجي فتركناه خلفنا،  كان مصابا و لا يستطيع التنقل إلا باستعمال العكاز، ولم يكن يريد أن يؤخرني كان يريد أن أصل بسرعة. انطلقت وقلبي مقبوض، تاركة خلفي موجهي، ووالد طفلتاي. كانت الجثت كثيرة على حد البصر وكنا نمشي فوق الأجساد المتفحمة مجبرين ! وكانت  طلقات النيران والقذائف تمطر فوقنا.
الدماء والأشلاء البشرية ورائحة الموت في كل مكان تطاردنا. ولما عثرنا على خندق نختبئ بداخله لبعض الوقت، بادر أحد الإخوة بقصف الكفار،  فأصبحنا مكشوفين لهم، فسقطت قذيفة بالقرب منا، في تلك اللحظة، قررت الذهاب من هناك أنا وابنتاي، وترك المجموعة، وأنا في طريقي فإذا بإحدى الأخوات تسقط برصاص قناص، أمام طفلتها ذات الأربع سنوات، التي بدأت تبكي و تصرخ من هول المنظر، لقد استشهدت الأخت تقبلها الله ! أما أنا فحاولت أن أبتعد وأختبئ وراء سيارة كانت بالقرب مني، مع اثنين من الإخوة. وابل من الرصاص كان يسقط علينا، فجأة أحسست بألم في ذراعي الأيمن، تفحصته ثم رأيت خلفي،  الحمد لله الرصاصة كانت في هيكل السيارة خلفي مباشرة ! هربت من جديد وابنتي الصغرى إيمان في ذراعي و ز*** تمسك بيدي. كان هدفي بلوغ الجبل ! وكان علي أن أصل إلى مكان آمن، وبما أن زوجي لم يكن برفقتي، فقد كنت آخد كل القرارات بمفردي.  في الطريق وجدت مكانا أرتاح فيه للحظة، وكان هناك رجال ونساء، جلست ووضعت ابنتي إيمان على فخدي و ز**** بجانبي.
كانت إيمان ترتجف من شدة الخوف ، حضنتها بقوة وقلت لها : ” عزيزتي، أتريدين الجنة ؟ وأن تأكلي الحلوى مع إبراهيم عليه السلام ومع أمك ؟ ” فتبسمت و أجابتني “نعم” ثم قالت :” أحبك أمي” سيضل هذا المشهد راسخا في ذهني للأبد… الدخان في كل مكان، وأصبح كل شيء برتقاليا، طنين في آذاننا، أدركت لتوي أننا تعرضنا لانفجار !  ابنتي ز**** وأطفال آخرون يصرخون.  حملت ابنتي إيمان دون أن أدرك ما الذي وقع، جسدها كان مرتخيا، طلبت منها أن تتماسك، وتفحصتها فإذا بقطرات الدم على وجهها، وبصرها شاخص، وعندما سقط حجابها من على رأسها رأيت الفاجعة ! لقد كانت جمجمتها مفجرة، وشظايا من دماغها تسقط على الأرض، والدم يقطر، في هذه اللحظة توقف قلبي !  ابنتي ! من لحمي ودمي، ماتت بين ذراعاي.
نسيت الرصاص المتناثر، وركضت ومعي ز**** وأنا اصرخ “بنتي ! بنتي!” وأبكي، لقد أدركت للتو، بأني فقدت ذريتي، ابنتي ماتت فوق ذراعاي، وابنتي الأخرى بجانبي.كان كل من يرانا يخفظ بصره ويقول لا حول و لا قوة إلا بالله … ركضت حتى تراءى إلي الجبل على بعد أقل من 300 متر، ولكن لم أعد أستطيع التقدم أكثر، فالقناصة يطلقون النار في كل مكان والكثير من الانفجارات هنا وهناك…
اختبأت في حفرة ووجدت الماء، بفضل الله تمكنت من الارتواء أنا و ابنتي ز*** كنت حاملا في الشهر الثالث، ( سأجهض بضعة أسابيع بعد هذه الواقعة)، رأيت ابنتي أمامي، جسدا صغيرا جامدا، لقد فقذتها. ولن أرى هذا الوجه البشوش مرة أخرى. نظفت وجهها ورقدنا بجانبها أنا وأختها، قبلتها وداعبتها، كنت أحاول توديع أميرتي. بدأ جسدها يبرد فوضعتها في الشمس، ابنتي توفيت في الساعة الثامنة والربع، وتركتها برفقتي حتى غروب الشمس، كنت أريد أن يراها والدها لآخر مرة. بدأت الأوضاع تهدأ، فأخدت ابنتاي وتوجهت إلى الجبل، رآني أحد الإخوة أحمل جثة ابنتي فقال لي يتعين علينا دفنها، لكن كان الأمر صعبا علي. كنت أريد أن أحتفظ بها حتى ألتقي بزوجي، إلا أن الأخ أخد مجرفة وبدأ يحفر، أنا وابنتي ز***، كنا نحفر بأيدينا. حفرنا حتى أصبحت الحفرة كبيرة بما يكفي، لقد حان وقت الوداع.
حمل الأخ ابنتي ووضعها بالجانب الأيمن وبدأ يردد الأدعية، غمرناها بالرمل بأيدينا ودموعنا تنهمر. لن أرى ابنتي بعد الآن، ولا ابنتي ز*** سترى أختها التي أحبتها كثيرا. استلقيت بجانب قبرها، وبعد لحظات جاءنا أحد الإخوة ببعض الخبز، طبق ناذر هنا… كانت الساعة تشير إلى العاشرة عندما أعلمنا أحد الإخوة بوقف النار و بأنه يمكننا الخروج الآن، اتجهت صوب الجبل ومعي ابنتي، بمجرد وصولنا بحثت عن زوجي، فلم أجده، كان لايزال خلفنا، التقيت بإحدى الأخوات التي أعرفها، والتي كانت بدورها ذاهبة للبحث عن زوجها فطلبت منها أن تبحث عن زوجي كذلك. فوجدته في الساعة الحادية عشرة ليلا، وأخبرته بأن أسرته تبحث عنه، كان فرحا جدا فقد كان يظن أننا متنا كلنا. التقينا، وسألني عن أحوالي، وعن ز***، ثم إيمان، كان يعلم بالأمر، فالأخت قد أخبرته للتو، فهمت ذلك فلم أقل شيئا وبكيت. فقال لي : ” صغيرتنا، سبقتنا ما شاء الله” وأخذ يدي ثم قال لي : ” 《 اصبري، فابنتنا في الجنة، الحمد لله 》 طلبت منه أن يعذرني، لأني لم أستطع الاحتفاظ بها حتى يراها، وإن كنت أعلم أنه لم يكن ليقدر على رؤية جثة ابنته.
لقد تحمل وصبر حفظه الله وجازاه  الله هو وكل الإخوة والأخوات الذين فقدوا أقراباءهم. أمضيت وقتا برفقته، وكنا نذكر بعضنا البعض للرفع من معنوياتنا، حتى حان وقت الذهاب… التاسع عشر من مارس، ثلاثة عشرة حافلة لنقل المواشي، وقفت الواحدة تلو الأخرى، لنقلنا، كنا ننتظر ونحاول التأخر قدر المستطاع، امتطينا الشاحنة ما قبل الأخيرة. أعطاني زوجي بعض النصائح والتوجيهات قبل أن نفترق، لا نعلم متى سنلتقي من جديد، كانت لحظة مؤثرة وصعبة جدا. سأترك زوجي الذي قدم كل شيء لنا، أبو ابنتاي، ودعامتي… سنفترق لأجل غير محدد ! هل سأراه بعد الآن ؟ الله أعلم. فراق ابنتي أولا ثم زوجي، سبحان الله الاختبار تلو الآخر، الحمد لله على كل حال.
أبدا لم نكن نظن أننا سنترك دولة الإسلام. سرنا لساعات ثم توقفنا لأول مرة… قاموا بعزل الرجال عن النساء، تنحينا نحن النساء جانبا وأخذوا ازواجنا. فتشونا، وسلبونا، ممتلكاتنا، ذهب، مال، ساعات، هواتف، ذهبوا لحد تفتيش ملابسنا الداخلية. أحسسنا بالذل والإهانة. أخذوا منا القليل الذي كان معنا ثم حملونا في شاحنة أخرى. في الليل، بدون أغطية، ظننت أننا سنموت من البرد، توقفنا مرة أخرى، وبدؤوا يفصلون السوريات عن الأجنبيات، جلسنا هنيهة، للأكل فقدم لنا الأكراد أغطية و معاطف كبيرة، كنا فرحات بذلك، وأخيرا سننعم ببعض الدفئ، إذذاك اشارت إلي إحدى الأخوات وقالت لي انظري هناك بعيدا… فرأيت منظرا حطم قلبي… كانوا يأخذون المعاطف والأغطية من الإخوة ليعطوها لنا. كنت أشاهد بصعوبة، فرأيت من بعيد، رجلا يمشي بعكازه، إنه هو ! زوجي ! أشرت إليه ليراني، فأشار إلي بإبهامه ليفهمني بأنهم على ما يرام… ابتسم وخفض رأسه بحزن، لقد كانت تلك آخر لحظة التقت فيها أعيننا. ساعات بعد ذلك، جاء الأمريكيون، فأخذوا بصماتنا، وأخذوا لنا صورا، و وضعونا جانبا نحن الفرنسيات والبلجيكيات بهدف استجوابنا. وعرضوا علينا صورا لإخوة وأخوات من فرنسا وبلجيكا كان أغلبهم قد مات… وإلى رحلة أخرى… هذه المرة، ستكون الرحلة الأخيرة، باتجاه مخيم الجحيم…
ترجمة ياسين امغان
المصدر: الفجر نيوز
Autosurf Websyndic

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فرنسا : تسجيل أول حالة وفاة لمواطن فرنسي بسبب “فيروس كورونا”

الفجر نيوز – وكالات أعلنت السلطات الصحية في فرنسا تسجيل أول حالة وفاة لمواطن فرنسي ...

%d مدونون معجبون بهذه: